أمة «السلام عليكم»
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٦في الحادي والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للسلام، وهو يوم أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ليكون «يوما مكرسا لتعزيز مُثُل السلام». وفي عامنا هذا 2026 يأتي هذا اليوم بشعار بالغ الدلالة «استثمروا في السلام: من أجل الجميع، في كل مكان، كل يوم».
ويحمل هذا الشعار في عالمنا العربي والإسلامي بعدا أشد إيلاما، إذ إن أمة «السلام عليكم» التي يفتتح بها المسلم كل لقاء، تعيش واقعا تتنازعه الحروب منذ عقود.
هنا تتجلى الفجوة بين التحية والممارسة. فالسلام في شعار الأمم المتحدة هذا العام ليس أمنية تتلى أمام الحضور، هو في الحقيقة تذكير بسيادة الدول وكرامة شعوبها. وإذا طرح السؤال بصدق: من يستثمر في السلام في منطقتنا، ومن يستثمر في استمرار التوتر؟ تكشف التجارب لا الشعارات مشروعا إقليميا واحدا استغل حالة الفراغ والانقسام ليزرع أذرعه في أكثر من عاصمة عربية، تحت عناوين المقاومة والممانعة، فيما كان الهدف الحقيقي التمدد والهيمنة.
فمن طهران تطورت الحوثية في اليمن، بدعم موثق في تقارير متكررة لفريق الخبراء الأممي التابع لمجلس الأمن، من حركة محلية إلى ذراع عسكري نفذ مئات الهجمات الصاروخية والمسيرة على مدن ومنشآت مدنية واقتصادية في المملكة العربية السعودية منذ عام 2015، من مطار أبها إلى منشآت أرامكو في بقيق وخريص عام 2019. وقرار مجلس الأمن 2216 نفسه طالب هذه الجماعة بالانسحاب وتسليم السلاح، وهي وقائع وثقتها هيئات تحقيق دولية مستقلة.
وفي لبنان، انتقل حزب الله من «مقاومة» معلنة إلى قوة تقرر الحرب والسلم نيابة عن دولة بأكملها، متجاوزا سلطة الدولة ومؤسساتها، وهو ما ردده مسؤولون لبنانيون أنفسهم حين وصفوا قرار السلاح بأنه خارج يد الدولة.
أما في العراق، فقد تحول الحشد الشعبي، الذي ولد أصلا لمواجهة تنظيم داعش، إلى غطاء لفصائل موالية لإيران باتت تشارك في توجيه قرارات سياسية واقتصادية، وتستخدم أحيانا لاستهداف مصالح إقليمية ودولية، بما يعقد مسار الاستقرار العراقي ذاته.
والثمن الأول دفعه أبناء المنطقة: الشعب اليمني في أزمة إنسانية طاحنة، والشعب اللبناني تحت انهيار اقتصادي غير مسبوق، والشعب العراقي الذي ما زال يبحث عن استقرار بعيدا عن الوصاية الخارجية.
وفي خضم هذه التهديدات، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجا يستحق التوقف عنده طويلا، نموذجا تثمنه الأوساط الدولية وتشيد به تقارير الأمم المتحدة ومنظمات إقليمية عدة. فالسعودية لم تختر الحرب خيارا أول، وإنما فرضتها عليها ضرورة الدفاع عن سيادتها بعد أن صارت مدنها الجنوبية ومنشآتها الحيوية هدفا مباشرا للصواريخ والمسيرات، في وقت التزمت فيه القيادة السعودية بأعلى معايير القانون الدولي الإنساني، وأنشأت آليات تحقيق مستقلة لمراجعة أي حادثة تثير الجدل، وهي خطوة نادرة بين الدول المنخرطة في نزاعات مسلحة تعكس مسؤولية والتزاما حقيقيين بحماية الأرواح المدنية.
والأهم من ذلك أن الرياض لم تغلق يوما باب السلام، وظلت الطرف الأكثر مبادرة نحو إيجاد الحلول في المنطقة بأسرها. فقد رعت اتفاق الرياض بين الأطراف اليمنية، وأطلقت مبادرة إنهاء الحرب في مارس 2021 من موقع القوة لا الضعف، وأثبتت حكمة سياسية استثنائية حين وقعت اتفاق استعادة العلاقات مع إيران برعاية صينية في 10 مارس 2023، في خطوة وصفت دوليا بأنها تحول تاريخي أعاد رسم خريطة التوازنات في المنطقة. وفي يناير 2026 استضافت الرياض مشاورات جامعة لمكونات جنوبية يمنية، تأكيدا على نهج ثابت يقدم الحوار على السلاح، ويكرس صورة المملكة وسيطا موثوقا في أعقد الملفات الإقليمية والدولية.
هذا الدور السعودي المتوازن بين الحزم في حماية الأمن الوطني والانفتاح على الحلول السياسية، يجسد عمليا معنى الاستثمار في السلام الذي دعا إليه شعار الأمم المتحدة هذا العام. فبينما تقتات المشاريع الميليشياوية على استمرار التوتر والفوضى، تراهن المملكة على البناء والتنمية والاستقرار، وتضطلع بمسؤولية تاريخية ودينية في الذود عن قبلة المسلمين وتأمين طرق الحجاج والمعتمرين من كل بقاع الأرض.
وعودة إلى المعنى، يبقى اليوم الدولي للسلام فرصة لتذكر أن «السلام عليكم» ليست جملة مجاملة، هي عقد حضاري. واستعادة هذا المعنى تبدأ بمحاسبة من حول شعارات المقاومة إلى أدوات تمدد وهيمنة، وبدعم النماذج المتزنة والمسؤولة، كالنموذج السعودي، التي تثبت يوما بعد يوم أن السلام خيار يمارَس ويدفَع ثمنه بالحكمة والصبر الاستراتيجي.
ahmadalfadhil@