الرأي

مبروك سعادة المدير!!



الترشيح لمنصب مدير للمرة الأولى يبدو احتفاء: لقب جديد، رسائل تهنئة، سيرة ذاتية محدثة توحي بالكفاءة المهنية. لكن خلف الكواليس يتصاعد قلق داخلي: هل أستطيع فعلا؟ هل لدي من الكفاءة ما يجعلني أتعامل بثقة مع هذا الدور؟ ماذا لو لم أحقق المستهدفات المطلوبة أو تراجع الأداء بسببي؟ من أين أبدأ، ومن الذي سيدعم رؤيتي؟

في بيئات عمل تشهد نموا مؤسسيا سريعا، حيث تمنح مسؤوليات قيادية لجيل أصغر سنا وأسرع من المعتاد ضمن طموحات التوسع والتطوير، لا يتوارى هذا القلق الداخلي بعيدا، بل يبرز كحاجة عملية تخص الكثير من القيادات الشابة التي وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن مستهدفات ومؤشرات لا بد من تحقيقها. وهنا تبدأ الحقيقة التي لا تذكرها رسائل التهنئة؛ الترقية إلى منصب إداري ليست انتقالا إلى درجة أعلى من الوظيفة نفسها، بل دخول إلى دور مختلف تماما يقوم النجاح فيه على فهم وإدارة أكثر الأنظمة تعقيدا.. «الأشخاص».

هذا القلق ليس مجرد توتر عابر يرتبط بتحديات التكيف المهني وحده، بل قد يتأثر أيضا بالآليات التي تعتمدها المؤسسات في اختيار قياداتها. فبعضها لا يستند إلى نموذج متكامل لتقييم الجاهزية الإدارية، وإنما يعتمد على المعرفة السابقة بالمرشح، أو توصيات جهات موثوقة، أو تميزه في منصبه الحالي. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها لا تكفي وحدها للتنبؤ بالنجاح القيادي؛ لأن إدارة الآخرين تتطلب كفاءات تختلف عن التفوق في الأداء الفردي.

ولكن هل ترقية الموظف «الأفضل أداء» تصنع بالضرورة قائدا ناجحا؟

دراسة موسعة نشرت في مجلة The Quarterly Journal of Economics، تتبعت 40 ألف موظف في 131 شركة أمريكية، أثبتت عكس ذلك تماما. حيث كشفت الدراسة أن اختيار الكفاءات الفنية للمناصب الإدارية بناء على جودة أدائهم السابق فقط، يؤدي إلى انخفاض حاد في «قيمتهم المضافة» كمديرين. وتكمن المعضلة في أن القطاعات غالبا ما تخلط بين «مكافأة الأداء» و«اختيار القادة»؛ فالمهارات الفردية التي أوصلت الموظف البارع إلى القمة تختلف جذريا عن أدوات القيادة الفعالة. هذا التناقض الجذري في معايير النجاح لا يحد من فاعلية الإدارة فحسب، بل يزج بالمدير الجديد في دوامة قاسية من القلق والإحباط. وكنتيجة لهذا الالتباس تفقد المؤسسة موظفا استثنائيا، وتكسب مديرا أقل كفاءة!

وتؤكد بيانات أخرى حجم هذه المفارقة؛ فقد أظهرت مؤسسة غالوب في دراستها المعروفة «حالة المدير الأمريكي» State of the American Manager أن جودة المديرين تؤثر بنسبة 70% على الأقل في مستوى تفاعل الموظفين. وأن من يدخل تجربة المنصب الإداري أو القيادي بلا إعداد كاف ليس استثناء نادرا، بل هو الغالبية الساحقة.. تأثير كبير إذن، يوضع غالبا على قائد لم يتم إعداده إعدادا حقيقيا.

وهذا ما رصدته أيضا دراسة Chartered Management Institute بعنوان «Better Managed Britain» في عام 2023 والتي وجدت أن 82% من المديرين الذين يدخلون منصبا إداريا لم يحصلوا على أي تدريب رسمي في الإدارة أو القيادة قبل توليها، حيث أطلقوا عليها ظاهرة المديرين العرضيين (Accidental Managers). ووصف موظفون شاركوا في الدراسة تجربتهم مع هؤلاء المديرين بأنها غير مرنة ومحبطة للمعنويات، لا بسبب سوء نية، بل بسبب غياب الإعداد لهؤلاء المديرين قبل توليهم المناصب القيادية.

وتؤكد مراجعة منهجية حديثة نشرت في مجلة The Journal of Organizational Behavior في عام 2025 عن الانتقال إلى الأدوار القيادية، أن هذا الانتقال لا يتعلق بتعلم مهام إدارية فحسب، بل يمر بثلاثة تحولات متزامنة: التكيف مع الدور، وإعادة تشكيل الهوية المهنية، والحصول على قبول اجتماعي من المحيطين. بمعنى آخر، لا يصبح المرء قائدا بمجرد صدور القرار؛ عليه أن يتعلم متطلبات المرحلة، وأن يرى نفسه بطريقة جديدة، وأن يقتنع الآخرون بقيادته من خلال سلوكه اليومي.

المأزق الأول الذي يقع فيه المدير الجديد هو الرغبة في إثبات استحقاقه بسرعة. فيبدأ بإعادة توزيع المهام، وتغيير الإجراءات والأشخاص السابقين، وعقد الاجتماعات، وإطلاق الوعود. قد تبدو الحركة الكثيفة في ظاهرها دليلا على الحضور، لكن القرارات السريعة في بيئة لم تقرأ جيدا قد تعالج الأعراض وتبقي الأسباب، أو تهدم ترتيبات غير مكتوبة لم يفهم المدير بعد لماذا نشأت.

هذه بالضبط النقاط التي توقفت عندها الباحثة ليندا هيل، أستاذة القيادة في كلية هارفارد للأعمال، حين تابعت المديرين الجدد طوال عامهم الأول في مناصبهم، ونشرت خلاصة هذه المتابعة في كتابها «Becoming a Manager». أغلب من قابلتهم هيل كانوا يحملون تصورا خاطئا عن معنى المنصب نفسه: توقعوا أن يمنحهم سلطة كاملة، فوجدوا أن القوة لا تأتي من الهيكل التنظيمي، بل من المصداقية المكتسبة. المدير الجديد محاط بعلاقات موجودة مسبقا ومصالح متشابكة وأشخاص لم يخترهم. لذلك، عليه أن يبني نفوذه، لا أن يرثه.

كتاب «مدير لأول مرة» لمؤلفيه لورين بيلكر وجيم مكورميك وغاري توبتشيك، وهو من أكثر المراجع العملية تداولا في هذا المجال، يقدم إجابة عملية على هذا الارتباك. حيث ينصح المؤلفون المدير الجديد بعدم التعجل وفرض تغييرات جذرية في أيامه الأولى، وأن يمنح فريقه وقتا كافيا «ليعتاد على وجوده» في هذا الموقع الجديد، بدلا من محاولة إثبات الجدارة عبر قرارات متسرعة. يقترح الخبراء تقسيم بدايات المدير الجديد عمليا إلى مراحل مبسطة يسهل تتبع نتائجها: الفترة الأولى للمراقبة والفهم والاتفاق على التوقعات، ثم المرحلة الثانية لاختيار أولويات محدودة وتحقيق مكسب مبكر ذي قيمة، وأخيرا المرحلة الثالثة لتثبيت آليات المتابعة والتفويض وقياس مؤشرات الأداء.

وللنجاح في هذا الدور، يحتاج المدير إلى «خريطة طريق» يرسمها مبكرا مع رئيسه الأعلى المباشر؛ بوصلتها الأولويات، وحدودها مساحة الصلاحيات (متى يقرر بمفرده ومتى يصعد للقيادات الأعلى)، ومؤشرها الدقيق: كيف سيقاس النجاح؟

بعد ذلك يأتي الفريق، لقاء فردي مع كل عضو ليس مجاملة أو تعارفا، بل أداة تشخيص وإنصات حقيقي لوضع المنشأة. حيث تؤكد دراسات عديدة وجود ارتباط إيجابي واضح بين شعور الموظف بأنه مسموع وبين جودة العلاقات والأداء في العمل من ناحية اندماج الموظفين وزيادة الإنتاجية والجودة والسلامة والاحتفاظ بالكفاءات. ولا يعني ذلك أن المدير وحده يصنع كل هذه النتائج، لكنه يملك تأثيرا يوميا لا يصح التقليل منه. كما يحتاج المدير كذلك إلى قراءة العلاقات خارج قطاعه واستثمارها عبر التهيئة المنظمة وبناء شبكة علاقات داعمة، لأن نجاح المدير لا تصنعه علاقته بمرؤوسيه فقط، بل قدرته على العمل أفقيا مع الإدارات الأخرى، ورأسيا مع القيادة العليا.

ومع ذلك، ليس من العدل تحميل المدير الجديد مسؤولية الانتقال كاملة. فالمنشأة التي تمنح الموظف لقبا جديدا وصلاحيات أعلى، ثم تتركه يتعلم الإدارة بالتجربة على الناس، تشارك في تعزيز ارتباكه وصناعة تعثره. يحتاج المدير للمرة الأولى إلى تعريف واضح بالدور، ومرشد أكثر خبرة يرافقه في بدايات هذه الرحلة، وتغذية راجعة منتظمة، وإتاحة حقيقية للتعلم. فالمنصب لا ينضج الإنسان تلقائيا، وقد يمنحه سلطة أكبر قبل أن يمنحه الحكمة اللازمة لاستخدامها.

عاجلا أم آجلا سيغادر المدير كرسيه، تاركا خلفه مهام لم تنجز تفوق ما تحقق. هذا ليس إخفاقا، بل هو الدرس الإداري الأهم. فالإرث الخالد لا يقاس بقائمة بها أرقام ومؤشرات الأداء، بل بعمق الأثر. يقاس بالأشخاص الذين مكنهم وأصبحوا أكثر قدرة، والرؤية التي اتضحت واستمر أثرها بعد رحيله. فجوهر القيادة لا يقاس بما أنجزه المدير وحده، بل بما أصبح فريقه قادرا على إنجازه من بعده.