كفريات الحوثي
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦انقادوا للهلاك. أصبحوا أعداء الإسلام. دقوا إسفينا بينهم وبين المسلمين. حجزوا موقعهم في قوائم صفحات التاريخ السوداء، بل في مزبلته وأرذل قوائمه ومقاماته.
عبر العصور؛ لم تشهد مكة المكرمة أشرف بقاع الأرض جراءة ألقت بظلالها على قدسيتها ومكانتها إلا عدة مرات. كلها لا تزال خالدة في الأذهان، بل إنها تدرس في المناهج التعليمية لأبناء المسلمين، من باب تعظيم شأن هذه البقعة التي اصطفاها الله من بد كل أصقاع الدنيا.
الأولى: على يد أبرهة الحبشي عام الفيل. أي قبل الإسلام.
الثانية: خلال العصر الأموي عامي 64 و73 للهجرة، فيما سمي وقتها حصار مكة. الأول بقيادة الحصين بن نمير. والثاني حين أمر عبدالملك بن مروان بإنهاء احتماء عبدالله بن الزبير بالحرم المكي. يجب الإيضاح هنا أن المستهدف في تلك الحادثتين ابن الزبير، وليس الكعبة بشكل مباشر. وجب التنويه حتى لا يتم الدخول في متاهات تاريخية، أو أصبح أسيرا لبعض المتحمسين دينيا.
على كل حال. الثالثة إبان حقبة القرامطة في السنة 317 للهجرة - أي خلال العصر العباسي -، وانتهت حسب الروايات التاريخية التي قرأتها؛ بمذبحة بشرية خلال موسم حج ذلك العام، وخلصت لاقتلاع الحجر الأسود من الكعبة، وأعيد بعد 22 عاما من اقتلاعه، أو سرقته.
رابع الوقائع التي طالما أنه فتح باب التسلسل الزمني للتطاول على قدسية مكة المكرمة، بالضرورة ذكرها، فقصة جهيمان العتيبي؛ لا يمكن أن تكون بمعزل عما سبق.
هل توقف الأمر عند هذا الحد؟ بالطبع لا، فالأيادي الإيرانية عبثت مرارا في أكثر من موسم حج، وعكرت صفو هذه الشعيرة، وقابلت المملكة ذلك بكثير من الحكمة والحزم. قصص الإيرانيين كثيرة والمجال لا يتسع لذكرها.
السؤال: ما الخامسة؟ ليست بعيدة. مساء الثلاثاء الماضي؛ على يد جماعة الحوثي الإرهابية؛ حين أرسلت طائرة مسيرة دخلت المجال الجوي المحظور لمكة. طبعا هذه ليست المرة الأولى التي يقصف بها أولئك الحمقى فاقدو الشرعية والشريعة منطقة مكة.
برأيي، إنه بذلك الحدث الجلل، قد استعدت جماعة أنصار الله بحماقتها، العالم الإسلامي بأسره وليس السعوديين فحسب.
لا يستوعب رموز الحوثي أن حجم الوعي واستنتاج منهجيتهم السياسية أصبح مختلفا، بعد أن أزاح الرأي العام العربي والإسلامي ضباب رؤيته لها، وتأكدت المجتمعات بما لا يدع للشك مجالا، أن تلك الجماعة لا تمثل الشعب اليمني الأبي، بل إنهم عبارة عن فئة خارجة عن الطبيعة والأعراف الدينية والاجتماعية، وأدركت العقول العربية والإسلامية أن الذي كان يهاجم إسرائيل كما زعم نصرة غزة والقضية الفلسطينية؛ ما هو إلا منفذ للسياسة الإيرانية الهوجاء، بعد توجيه سهام غدره لقبلة المسلمين.
أتصور أن ثمة ما يجب فهمه على الصعيد الدولي؛ فيما يرتبط بحالة التمرد الحوثية الأخيرة. مثل ماذا؟ التغاضي الأمريكي عن الإرهاب القادم من اليمن.
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام، إن جماعة الحوثي خطبت وده وإنه ارتضى بذلك. منحوه ضمانات بعدم مهاجمة السفن الأمريكية المارة بمضيق باب المندب، مقابل غض الطرف عن مهاجمة الناقلات السعودية.
وافق الرجل على مقترحات من قام بقصفهم رفقة إسرائيل قبل أشهر. اختلفت الموازين. وذا له حسابات مختلفة غير مرهونة بما يحدث حاليا.
يخال لساكن البيت الأبيض أن ذلك يدخل بإطار الرد على المملكة، نظير عدم تفاعلها وانخراطها بالمواجهة الأمريكية - الإيرانية، وعدم قبول الرياض بالتوقيع على الاتفاقية الإبراهيمية، التي تؤسس لعلاقة مع إسرائيل، وهذا كما هو معروف طموح ضمن طموحات الإدارة الأمريكية الحالية.
ما أدهى من ذلك؛ أعتقد إن إدارة الرئيس الأمريكي تريد من ذلك التغطية على فشلها في كسر شوكة الجمهورية الإسلامية، التي توقع دونالد ترامب أنه يستطيع القضاء عليها خلال أيام أو أسابيع كحد أقصى؛ وأن يتحول ذلك الفشل عاملا يلقي بظلاله على نتائج الانتخابات النصفية، التي طبقا لاستطلاعات الرأي، يمكن أن يحسمها الديمقراطيون مبكرا، مقابل سقوط الجمهوريين المنتمي لهم ترامب، بفخ خسارة ما يقارب ثلاث نقاط بمجلس النواب؛ وذلك ما يهيئ لمحاسبته، أو عزله عن سدة الحكم.
لا يهمني سقوطه أو وجوده. ما أجد أنه يعني لي في كل هذه التفاصيل؛ السعودية.
أستطيع القول إن الاعتداءات الحوثية هي ورديفتها العراقية ضد المقدسات في مكة المكرمة والمدينة المنورة، تؤكد أن الدعم الإيراني للميليشيات لم يعد موجها لاستهداف أمن المملكة فقط، بل يحاول نقل الصراع من الخانة السياسية إلى العقائدية، وذا ما يؤكده وضع دور العبادة والمدن القريبة التي يقصدها ملايين المسلمين سنويا، تحت تهديد صواريخ ومسيرات أولئك المجرمين.
الخلاصة: تودد الحوثي وانبطاحه، بتقديم وعود بعدم مهاجمة السفن الأمريكية والإسرائيلية خلال مرورها بباب المندب، مقابل قصف السفن السعودية، وقبل ذلك توجيه السهام لمكة المكرمة، لهو عار عليها، ينسف شعاراتها المزيفة، التي أدتها امتثالا لولاية الفقيه، وتلاعبت بعواطف السذج والتافهين من سنة العرب.
إن الجلوس أمام أرباب القتل والتطرف على طاولة مفاوضات واحدة، يمنحهم شرعية ممارسة الإرهاب، ويعطي إشارات رضى وقبول لبقية العصابات الأخرى.
بالنهاية؛ سيجد من ارتضى بالإرهابيين يوما بأنه محاصر بفروخ الثعابين. وسيندم كثيرا نتيجة الصمت على.. كفريات الحوثي.