السعودية التي لا تُرى
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ليست كل صورة تطفو حقيقة، ولا كل صوت نشاز يستحق أن يسمع، ولا كل خبر يملأ شاشات الهواتف يصلح حقا أن يكون وصفا لما يجري على أرض وطننا.
منتهى العجب، ففي هذه الأيام تبدو المنصات وكأنها ساحات مفتوحة للأخبار المتضاربة، والمقاطع القديمة، والقصص المصنوعة، والتضخيم والتهويل، الذي يتخيل أنه يهز صورة السعودية!
في زمن تستطيع التقنية والذكاء تزوير الصوت والصورة والوجه والحركة، ما يجعل من السذاجة أن تقرأ دولة بحجم وتاريخ وقدرة المملكة العربية السعودية من خلال منشور أو مقطع أو خبر مغرض المصدر.
السعودية ليست حسابا في منصة، وليست سحابة عابرة.
إنها دولة تعرف أن كمال القوة في عدم الرد على السفاسف، وأن الحكمة تقتضي أن تري الآخرين ما تريد أن يروه، بينما تبقى تفاصيل الحقائق في مكانها الطبيعي: بعيدا عن الأنظار، حيث التخطيط والتدبير وحساب الاحتمالات.
قد يرى الناظر القصير اعتداء هنا، أو خبرا هناك، فيظن أنه عرف الصورة كلها.
بينما تنظر السعودية بعيدا، فلا تقيس بيوم منفرد، ولا حادثة منفصلة، وإنما تقرأ معطيات ومتطلبات اتجاه طريقها المستقيم.
والمملكة اليوم محاطة باضطرابات كثيرة: حروب وصراعات وتوترات إقليمية متسارعة، ومحاولات للمساس بأمنها ومصالحها، ومعها حرب أخرى لا تقل خطورة، هي حرب المعلومات الزائفة والتضليل.
وفي هذه الحرب تكثر أصوات الغضب، الفرحة بكل ما يمس المملكة، من خصومة سياسية أو حقد يتغذى على قصص التشويه، تحاول إضعاف عزيمة الوطن بحضورها الزائف الزائل.
غثاء السيل، مهما كثر، لا يصنع حقيقة، وكثرة التكرار لا تجعل الكذب حقيقة.
وللأسف أن بعض من خرجوا من هذه الأرض بعد أن عاشوا في خيرها، يختارون أن يقفوا بكل جحود وكره مع كل من يتمنى للوطن الضرر!
غير أن صدر الوطن أكبر من خصومه السابقين واللاحقين، وأبقى من حملاتهم الصبيانية، وطن لا تهزه أصوات الباحثين عن قيمة لم يجدوها إلا في الإساءة إليه.
أما المملكة، فلا تبدو في عجلة من أمرها.
إنها تمضي بعقل الحكمة، وقوة الدولة، وصبر المنتصر؛ تصلح من أخطائها، وتبني قدراتها، وتحمي أمنها، وتوسع شراكاتها، وتدير أزماتها بما تراه مناسبا للقادم، دون أن تمنح الآخرين خريطة تحركاتها.
استقرار الدول لا يأتي صدفة، والنصر لا يولد من فراغ، والدول لا تحمي مستقبلها بالانفعال.
إن أكثر ما يربك خصوم المملكة عدم معرفتهم بكل ما تعرفه، فلا يرون الصورة الكاملة، ولا يدركون إلى أين يتجه مسارها.
لذلك لا ينبغي أن نخلط بين الصورة التي تصنعها منصات التهريج، وبين الصورة التي تصنعها الدولة.
فما لا يعلن قد يكون أحيانا أهم مما يعلن، وما يبدو هدوءا قد يكون ثقة، وما يبدو صمتا على تعد قد يكون إدارة تعقل دقيقة للمرحلة.
وكم مرت علينا من عواصف، وستمر بإذن الله هذه العاصفة كما مر غيرها، وستبقى الحقيقة أطول عمرا من الضجيج المفتعل.
والسعودية تواصل طريقها، واثقة بربها، بقيادتها، وبجيشها وقواتها الأمنية، وبشعبها؛ لا تنتظر أن يصدقها الآخرون اليوم، لأنها تعرف أن المستقبل وحده من يملك الإجابة.
وحينما يصل المستقبل، ستتحدث النتائج بصوت لا تستطيع كل منصات العالم أن تشوهه أو تسكته.