المدينة كما يراها السيد ماجو
الأحد، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦السيد ماجو Mr. Magoo هو شخصية كارتونية خيالية ظهرت عام 1949، وأنتجت على شكل حلقات تلفزيونية في عام 1960، وكانت تبث في التلفزيون السعودي في الفترة الصباحية المخصصة للأطفال منذ عام 1982 وحتى 1990. ملامح الشخصية تتناول تفاصيل حياة شخص مُسن يعيش في المدينة وينتقل من مكان إلى آخر ولكنه يعاني من ضعف شديد جدا في النظر وفي الوقت ذاته يمتلك ثقة عالية بالنفس. المشكلة في هذه الثقة التي جعلته يعتقد دوما أنه على صواب.. يصر على قيادة السيارة؛ بل أنه يلوم كل من حوله لأنهم متهورون في القيادة كما يعتقد. الكوميديا في هذه الشخصية تنطلق من فكرة المشاهد التي يصنعها وينجو منها في كل مرة. قد يشاهد مثلا إشارة مرور فيعتقد أنها شخص ليتبادل الحديث معه، وقد يدخل إلى موقع لا يزال تحت الإنشاء ويتجول داخله دون أن يعي خطوة المكان. يقود سيارته إلى البحر فيغرق داخله ويكمل رحلته معتقدا أن الأسماك والقوارب الغارقة هي جزء من الطريق. وفي جميع الأحوال يخرج السيد ماجو من هذه المصائب والأزمات بالصدفة وبالبركة كما يقولون. بعبارة أخرى السيد ماجو كان يرى المدينة كما يريد هو أن يراها ويتصرف بثقة وفقا لذلك.
يمكننا أن نستعير مجازا من شخصية السيد ماجو نظرية الفجوات العميقة بين مؤسسات التخطيط والواقع الفعلي، فما تراه إدارة المدينة إنجازا يراه المجتمع إخفاقا. قد تحسب إدارات المدن مساحات الشوارع العامة فتصل إلى استنتاج أن الوصولية عالية، وقد تنشئ الحدائق وتزرع الأشجار لتصل إلى مستهدف زيادة نصيب الفرد دون التفكير كيف استفاد المجتمع من هذه الحدائق؟ قد تسعى لزيادة المعروض السكني كميا دون فهم التموضع المكاني وحدود القدرة الاقتصادية لمحدودي الدخل. وقد تنشئ مسارات للمشاة جميلة دون أن يمشي عليها أحد.
وهكذا، ترسم إدارات المدن خططا مثالية ومشاريع عمرانية لا تخدم المجتمع بأطيافه كافة، وتقتنع بالنتائج وبكل ثقة استنادا إلى مؤشرات كمية إيجابية. الإشكالية أن هذه المؤشرات يمكنها أن ترتفع يوما بعد يوم، لكن واقع الحياة في المدينة لم يتغير؛ بل ربما ينحدر إلى الأسوأ. مؤشرات الأداء هذه قد تجعل إدارات المدن واثقة أكثر من عملها فالشواهد مثبتة بالأرقام؛ لكنها لا تعطي دلائل حقيقية عن حال مجتمع المدينة. وهذا ما يمكن أن نسميه «العمى المؤسسي» فقد تمتلك الجهات التخطيطية قواعد بيانات ضخمة ولكنها غير قادرة على توظيف هذه البيانات في إطار يخدم التنمية المستدامة بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئية كافة.
تتجاهل بعض مؤسسات التخطيط طبيعة الحياة اليومية التي يعيشها السكان واهتماماتهم لترسم زاوية رؤية تختلف تماما عن واقع المجتمع. تستثمر البيئة العمرانية لتوفر إيرادات ومصادر دخل للمدينة دون وجود بدائل مجانية لا ترهق كاهل ذوي الدخل المنخفض ودون أن تدرك التباين الاجتماعي للسكان بمن فيهم كبار السن، والأطفال، والمعاقون. إنها بذلك تريد أن ترى المدينة كما يراها السيد ماجو لا كما تبدو في الواقع. مشكلة التخطيط هنا ليس في نقص البيانات؛ بل في الاعتقاد أن الأدوات المتوفرة والمنهج المتبع يعطيان تصورا شموليا عن المدينة بأبعادها كافة.
في الختام، فإن تخطيط المدن هو منهج قائم على التعامل مع المدينة بشكلها الحقيقي، نشاهدها بتجرد كما يراها المجتمع لنحاول استيعاب نمط الحياة القائم وصولا للارتقاء بالمجتمع وأساليب معيشته.