الرأي

التحول المؤسسي للجامعات السعودية: الانعتاق من البيروقراطية


يشهد التعليم العالي في المملكة العربية السعودية مرحلة مفصلية في تطوره المؤسسي. فالتحول الراهن يتجاوز كونه تغييرا شكليا في الأنظمة أو الهياكل التنظيمية أو الإجراءات الإدارية، إذ يتيح المجال لإعادة حوكمة الجامعات، وتطوير عملية صنع القرار، ورفع كفاءة تخصيص الموارد، وتعزيز قدرتها على صناعة القيمة المؤسسية.

ويأتي التوجه نحو تعزيز استقلالية الجامعات، وتطوير منظومة حوكمتها، ومنحها مرونة أوسع في إدارة شؤونها الأكاديمية والإدارية والمالية، في إطار التحول الوطني الشامل الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. وقد صدر، بتوجيه مباشر من سموه، النظام الجديد لجامعة الملك سعود، ليمثل نقلة نوعية في مسيرة التعليم العالي، من خلال منحها الشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، وتعزيز الاستدامة المالية ومكانتها الدولية.

ويمثل هذا التحول المؤسسي نحو استقلالية صنع القرار تحديا وفرصة في آنٍ واحد، فهو تحد للجامعات التي ما زالت غارقة في الإجراءات البيروقراطية الشكلية، ومنشغلة بالإنجاز الورقي دون مسؤولية واضحة عن النتائج، وفي المقابل يمثل فرصة للجامعات التي تمتلك قيادات ريادية ذات فكر إبداعي، وقدرة على استشراف المستقبل، وتحقيق التميز في التعليم والبحث العلمي وخدمة المجتمع.

ومن المهم، في هذه المرحلة، أن تنظر الجامعات إلى الاستقلالية على أنها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، وأن تعمل على الانعتاق من قيود الفكر البيروقراطي ومغادرة منطقة الراحة إلى الريادة والتفكير الإبداعي. وبشكل أدق، يبدأ التحول المؤسسي عندما تتغير الثقافة التنظيمية: من طلب الموافقات وانتظار الردود إلى المبادرة وتحمل المسؤولية؛ ومن التحكم المركزي وتضييق نطاق الإشراف والتسلسل الهرمي للسلطة إلى تمكين القيادات في الكليات والأقسام، ومنحها الثقة والصلاحيات، وتقييم الأداء على أساس النتائج؛ ومن موازنة البنود إلى ميزانية الأداء، وتقويم البرامج، والتخصيص الاستراتيجي للموارد؛ ومن إدارة الأنشطة إلى صناعة القيمة.

وتمثل القيادات الجامعية العنصر الأساس في تحقيق التحول المؤسسي وإحداث التغيير في الثقافة التنظيمية. ويُعد مجلس إدارة الجامعة الموجه الاستراتيجي للمؤسسة، وترتبط فاعلية دوره بجودة وقوة قراراته وتوجهاته. وعلى الرغم من أن النظام منح الجامعة صلاحيات واسعة، إلا إنه اشترط في الوقت ذاته اعتماد عدد منها من جهات أخرى. ومن ثم يتطلب نجاح مشروع تحول الجامعة تمكين مجلس إدارتها من ممارسة صلاحياته ودوره الاستراتيجي بفاعلية، إداريا وماليا، في إطار الحوكمة الرشيدة.

وهكذا تتشكل علاقة مؤسسية جديدة، حيث تضع الهيئات الوطنية السياسات وتوفر البيئة الممكنة للتحول، ويحدد مجلس إدارة الجامعة الاتجاه الاستراتيجي ويمارس الإشراف، بينما تترجم الإدارة التنفيذية هذا الاتجاه إلى أولويات ونتائج، وتمنح الكليات والوحدات الأكاديمية مساحة أوسع لتنفيذ مستهدفات الجامعة، مع خضوع الجامعة لحوكمة ومساءلة واضحة عن أدائها ونتائجها.
ومن المهم في هذا السياق ألا تنحصر الاستقلالية في المركز، إذ إن بقاء

الصلاحيات متمركزة في الإدارة العليا يعني أن الجامعة قد غيرت إطارها النظامي دون أن تغير نموذجها التشغيلي. ولذلك ينبغي أن تصبح الكليات وحدات أكاديمية أكثر تمكينا، تتحمل مسؤولية إدارة البرامج والطلاب وأعضاء هيئة التدريس والبحث العلمي، والشراكات، واستخدام الموارد والأداء.

وهنا تبرز أهمية الموازنة بين المركزية واللامركزية. فاللامركزية لا تعني إلغاء المركزية، وإنما تعني منح كل مستوى إداري الصلاحيات التي تتناسب مع نطاق مسؤولياته والأدوار المنوطة به، بما يحقق وضوحا في المسؤولية والمساءلة، ويسهم في سد الفجوة بين الاستراتيجية والتنفيذ.

فالجامعات، في الغالب، قادرة على صياغة استراتيجيات طموحة، لكن التحدي الأصعب هو تحويل هذه الاستراتيجيات إلى نتائج مؤسسية قابلة للقياس. ولذلك ينبغي أن ترتبط كل أولوية رئيسة بنتيجة محددة، وبرنامج أو مشروع، وقائد مسؤول، وموارد، وجدول زمني، ومؤشرات أداء، ومنافع قابلة للتحقق. والسؤال الأساسي هنا: من المسؤول عن التنفيذ؟ ومتى؟ وبأي موارد؟ وكيف سيتم التحقق من النجاح؟

ويلعب مكتب التحول في هذا المضمار دورا رئيسا في تهيئة البنية التنفيذية التي تمكن مجلس إدارة الجامعة من متابعة عملية التحول وإدارتها بفاعلية. ويتطلب ذلك توفير نظام متكامل لإدارة مشروع التحول، يربط الأهداف بما تم اعتماده من أولويات ومبادرات، ويوضح المسؤول عن كل مبادرة، والموارد المخصصة لها، والجدول الزمني لتنفيذها، وما تم إنجازه، والنتائج والمنافع المتحققة، وما يتطلب تدخلا أو قرارا قياديا. لكن يكمن التحدي في انغماس مكتب التحول في الثقافة البيروقراطية، ليقتصر دوره على إعداد التقارير أو حصر المبادرات، بدلا من أن يكون أداة تنفيذية فاعلة تمكن القيادة من متابعة الأداء، ومعالجة التعثر، والتأكد من تحقيق النتائج المستهدفة.

إن نجاح التحول المؤسسي في الجامعات السعودية مرهون بالانتقال من الامتثال البيروقراطي إلى الأداء الإبداعي، ومن التحكم المركزي إلى الاستقلالية المسؤولة، ومن ميزانية البنود إلى ميزانية الأداء، ومن التركيز على الأنشطة إلى التركيز على النتائج، ومن الاعتماد على القيادة الفردية إلى بناء القدرات القيادية المؤسسية. فالهدف ليس مجرد إنشاء جامعات أكثر استقلالية، بل بناء جامعات أكثر قدرة على الإنجاز وتحقيق الأثر. ويظل الاختبار الحقيقي للاستقلالية هو القدرة على الانعتاق من البيروقراطية، وتوظيف الصلاحيات الممنوحة لتحقيق الكفاءة والفعالية والتميز المؤسسي.