واشنطن اقتربت من رؤية الرياض تجاه الخطر الحوثي
الخميس، ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦لم يعد الموقف الأمريكي تجاه الحوثيين هو ذاته الذي ساد في بداية إدارة الرئيس جو بايدن. فقد دفعت تطورات السنوات الماضية واشنطن إلى الاقتراب من الرؤية التي تبنتها المملكة العربية السعودية منذ بداية الأزمة، وهي أن الحوثيين ليسوا مجرد طرف يمني مسلح يمكن احتواؤه بتسوية سياسية، بل جزء من منظومة نفوذ إيرانية تمتلك القدرة على تهديد الدولة اليمنية وأمن المملكة والبحر الأحمر والمصالح الدولية.
لكن أحداث الساحل الغربي في سبتمبر 2026 أضافت سؤالا أكثر أهمية، فالتقارب الأمريكي مع الرياض في تشخيص الخطر أصبح واضحا، بينما يبقى الاختبار في قدرة هذا التقارب على التحول إلى تعاون أكثر فاعلية في مواجهة التهديد ودعم الحكومة اليمنية وتعزيز أمن البحر الأحمر.
لأن السياسة الأمريكية تجاه الحوثيين مرت بتحولات كبيرة. ففي فبراير 2021 أوقفت إدارة بايدن دعم العمليات الهجومية للتحالف، وألغت تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وراهنت على أن تخفيف الضغط قد يساعد على الوصول إلى تسوية سياسية.
غير أن السنوات التالية اختبرت هذا الرهان، فلم يتحول الحوثيون إلى حركة سياسية طبيعية داخل الدولة، ولم يتخلوا عن سلاحهم أو يضعوا قرار الحرب والسلام تحت سلطة مؤسساتها، بل حافظوا على ترسانتهم العسكرية ووسعوا قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيرة وعمقوا ارتباطهم بإيران.
ثم جاءت هجمات البحر الأحمر منذ أواخر 2023 لتثبت أن السلاح الحوثي لم يعد خطرا يخص اليمن أو المملكة وحدهما، بل أصبح قادرا على تهديد الملاحة والتجارة الدولية والمصالح الأمريكية، ومن هنا بدأ التحول الأمريكي المعاكس.
وبعدها أعادت إدارة بايدن الحوثيين إلى قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص في يناير 2024، ثم جاءت إدارة الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض لتعيد تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية. ولم يكن ذلك مجرد تحول قانوني، بل كان انعكاسا لتغير أعمق في تعريف واشنطن لطبيعة الحوثي وموقعه داخل الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.
وبحلول سبتمبر 2026 أصبحت اللغة الأمريكية أكثر وضوحا، فقد وصف وزير الخارجية الأمريكي (ماركو روبيو) الحوثيين بأنهم من نواح كثيرة وكلاء وأدوات للإيرانيين. وأكد أن اليد الإيرانية تقف بوضوح خلف جانب من الأحداث. كما شدد على قوة العلاقة العسكرية الدفاعية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية.
وهذه اللغة تعكس تحولا حقيقيا في الموقف الأمريكي، فالولايات المتحدة التي كانت تركز في 2021 على إنهاء العمليات العسكرية وخفض التصعيد أصبحت أكثر وضوحا في ربط الحوثيين بإيران وفي إدراك خطورتهم على أمن المملكة والملاحة الدولية.
لكن التطورات الميدانية التي أعقبت هذه المواقف جاءت لتختبر معناها العملي بسرعة، فقد تمكن الحوثيون من التوسع على الساحل الغربي وفي مناطق وجزر استراتيجية مرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية، فقد أصبحت واشنطن أقرب إلى الرياض في تعريف الخطر الحوثي، وأصبحت الظروف الجديدة تفرض مستوى أكبر من التنسيق والعمل المشترك لمنع هذا الخطر من التحول إلى تهديد دائم لأمن المنطقة والممرات البحرية الدولية.
فالمخا ليست مجرد مدينة يمنية تغيرت السيطرة عليها في جولة من جولات الحرب. والساحل الغربي ليس جبهة داخلية معزولة، بل منطقة تطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ولذلك فإن توسع الحوثي هناك يرفع المسألة من مستوى الصراع اليمني إلى مستوى الأمن الإقليمي والدولي.
ومن هنا تبرز أهمية تحذير رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي من تحويل باب المندب إلى هرمز آخر، فجوهر القضية يتجاوز السيطرة على الأرض ويتعلق بخطورة امتلاك إيران عبر حلفائها أدوات ضغط على الممرات البحرية المحيطة بالجزيرة العربية.
وهذه التطورات تعيد أيضا تأكيد جوهر الرؤية السعودية، فالسلام المستدام في اليمن لا يمكن أن يتحقق بمجرد توقف القتال إذا بقيت الصواريخ والطائرات المسيرة وقرار الحرب خارج مؤسسات الدولة.
وقد طورت المملكة أدواتها خلال السنوات الماضية، فجمعت بين حماية أمنها الوطني ودعم التهدئة والتفاوض، وأسهمت إلى جانب سلطنة عمان في جهود خارطة الطريق، وحافظت في الوقت نفسه على دعم الحكومة اليمنية الشرعية، وهو نهج يعكس إدراكا بأن الحل المستدام لا يقوم على استمرار الحرب ولا على تكريس سلطة المليشيا، بل على الوصول إلى دولة يمنية قادرة تمتلك مؤسساتها قرار الحرب والسلام.
وأحداث سبتمبر الجاري تقدم دليلا جديدا على أهمية هذه الرؤية، فالتهدئة تظل ضرورة لمنح الحل السياسي فرصته، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمانات وموازين قوة تمنع استغلالها لإعادة بناء القدرات العسكرية أو فرض أمر واقع جديد بالقوة.
كما أن التوسع في المخا لا يحسم الحرب ولا يجعل ميزان القوة نهائيا لمصلحة الحوثيين، فالحروب كر وفر. وقد حققت القوات اليمنية انتصارات في مراحل سابقة، كما أظهرت بعد التطورات الأخيرة قدرتها على إعادة تنظيم صفوفها ومواصلة العمليات ضد مواقع وتجمعات الحوثيين.
ومن هنا ينبغي النظر إلى ما حدث باعتباره اختبارا جديدا للحكومة اليمنية وقواتها، وليس نهاية لمسارها. فالمرحلة الحالية تفتح المجال أمام تعزيز التنسيق بين مؤسسات الدولة وتوحيد الجهد العسكري والأمني والاستفادة بصورة أكبر من الدعم الذي تقدمه المملكة والشركاء الدوليون.
وكلما تعزز تماسك الحكومة اليمنية ومؤسساتها ازدادت قدرتها على تقديم نفسها باعتبارها البديل السياسي والأمني القادر على حماية مصالح اليمنيين واستعادة مؤسسات الدولة وتأمين السواحل والممرات البحرية.
وهذه ليست مسؤولية يمنية فقط، فالمجتمع الدولي الذي أصبح يدرك بصورة أكبر خطورة الحوثيين على الملاحة وأمن الطاقة لديه مصلحة مباشرة في نجاح الدولة اليمنية،
فالطائرات والسفن تستطيع اعتراض الصواريخ، والعقوبات تستطيع الضغط على شبكات التمويل، والعمليات العسكرية تستطيع إضعاف القدرات الهجومية، لكن هذه الأدوات لا تستطيع أن تكون بديلا عن دولة يمنية تسيطر على أرضها وموانئها وسواحلها.
وهنا تحديدا تظهر أهمية التحول الأمريكي، حيث إن واشنطن أصبحت أكثر وضوحا في القول إن الحوثيين مرتبطون بإيران. وأصبحت أكثر إدراكا لخطورتهم على أمن المملكة والملاحة الدولية، كما أن استمرار التعاون الدفاعي والاستخباراتي بين الولايات المتحدة والمملكة يعكس وجود أرضية يمكن البناء عليها لتطوير استجابة أكثر فاعلية تجاه التهديد.
ولهذا فإن أحداث المخا لا تنفي التقارب الأمريكي السعودي في رؤية الحوثي، بل تمنحه أهمية أكبر، فمصالح البلدين تتقاطع في أمن المملكة والبحر الأحمر ومنع إيران من توسيع نفوذها. والتحدي الحالي يمكن أن يدفع هذا التقارب من مستوى تشخيص الخطر إلى مستوى أوسع من التنسيق لدعم أمن المملكة والحكومة اليمنية وحماية الملاحة الدولية.
ومن هنا تظهر أهمية النهج الذي قادته المملكة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. فقد جمع بين حماية الأمن الوطني وفتح أبواب التسوية، وبين الردع والدبلوماسية، وبين دعم الحكومة الشرعية والسعي إلى إنهاء الحرب.
وهذا النهج يمنح المملكة مساحة واسعة للتحرك في المرحلة المقبلة، فهي تمتلك علاقات دولية مؤثرة، وتمتلك شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة. كما تمتلك خبرة طويلة في الملف اليمني وقدرة على الجمع بين المسار السياسي ومتطلبات الأمن الوطني.
أما الحكومة اليمنية فإن التطورات الحالية أعطتها فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وتعزيز التنسيق وتوحيد الجهود. فالمعركة لم تنته، وما حدث في المخا يمثل جولة في صراع طويل تستطيع الدولة اليمنية أن تستخلص منها الدروس وتعيد بناء المبادرة على أساسها.
لهذا فقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن السلام المستدام الذي تسعى له المملكة يحتاج إلى تسوية سياسية وإلى دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلام. ولا يمكن أن يستقر اليمن إذا بقيت قوة مسلحة مرتبطة بإيران تمتلك الصواريخ والطائرات المسيرة وقرار استخدامها خارج مؤسسات الدولة.
لهذا لقد اقتربت واشنطن بالفعل من الرياض في تشخيص الحوثي. وأصبحت أكثر وضوحا في ربطه بإيران وفهم خطورة قدراته على أمن المملكة والبحر . وأحداث سبتمبر لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها دليلا على فشل هذا المسار، بل باعتبارها اختبارا قد يدفع إلى تسريع الانتقال من تشخيص الخطر إلى بناء استجابة أكثر فاعلية تجاهه.
وهنا تكمن مساحة التفاؤل، فالمملكة تواجه التطورات من موقع دولة تمتلك قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية وشبكة واسعة من الشراكات الدولية. والحكومة اليمنية تحظى بالاعتراف والدعم الدوليين وتمتلك قوات قادرة على إعادة تنظيم صفوفها ومواصلة المواجهة. كما أن الخطر الحوثي أصبح أكثر وضوحا أمام الولايات المتحدة والعالم بعد أن امتد تأثيره إلى أمن البحر والملاحة الدولية.
ولهذا فإن التقدم الحوثي في المخا قد يكون مكسبا ميدانيا مؤقتا في جولة من جولات الحرب. لكنه في الوقت نفسه يجعل المجتمع الدولي أكثر إدراكا لخطورة ترك الساحل اليمني والممرات البحرية تحت تهديد جماعة مسلحة مرتبطة بإيران.
والاختبار الحقيقي بعد المخا هو تحويل هذا الإدراك إلى فرصة لتعزيز قدرات الحكومة اليمنية، وفرصة لتوسيع التنسيق السعودي الأمريكي. وفرصة لبناء مسار سياسي يستند إلى دولة قوية وقادرة على حماية اليمن ومصالح شعبه.
فالتهدئة تظل هدفا مهما، والسلام يظل الخيار الأفضل لليمن والمنطقة، لكن السلام المستدام يحتاج إلى دولة قادرة. وهذه هي النقطة التي تبدو واشنطن اليوم أقرب إلى فهمها، وهي أيضا النقطة التي تمسكت بها المملكة طوال سنوات الأزمة.
alatif1969@