في مسار الدولة السورية الناهض بعد اندماج الكرد
الأربعاء، ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦منذ نجاح الثورة السورية المباركة في الثامن من ديسمبر 2024، والدولة السورية تخطو خطوات جبارة متأنية نحو المستقبل الذي طالما نشده السوريون رغم ضخامة التحديات الداخلية والخارجية و تعددها، حيث نجحت الثورة والدولة السورية مكبلة وشبه منهارة نتيجة الحكم الطائفي الذي جثم على صدور السوريين بما يزيد على نصف قرن. هذه الخطوات الكبيرة نحو الاتجاه الصحيح لم تكن لولا مستوى الوعي العالي للقيادة السورية الجديدة، وإدراكها لحجم هذه التحديات التي تواجهها وحساسيتها في ظل الوهن الذي أصاب مقومات الدولة.
ومن هذه التحديات الواقع الكردي في الشمال الشرقي الناتج عن إقصاء الكرد، وتهميشهم، وإسقاط جنسيات الآلاف منهم، وحظر استخدام اللغة الكردية لعقود طويلة من خلال القرارات والإجراءات الجائرة ضدهم، أثناء حكم النظام السابق، مما جعل عدم الثقة في الدولة، والنزوع نحو الحكم الذاتي قناعة راسخة لدى الكرد هناك، وهو الوضع الذي عانت منه الطوائف الأخرى مثل الدروز في السويداء وحتى شرائح واسعة من العلويين في اللاذقية وما جاورها على الرغم من انتماء الأسد لهذه الطائفة. (بالمناسبة كلمة الأكراد غير مقبولة عند الكرد إذ يرونها مماثلة لكلمة الأعراب عند العرب في المعنى).
أحدث التحولات في الدولة السورية كانت الخطوة الكبيرة التي تبناها القائد الكردي مظلوم عبدي المتمثلة في حل قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والإدارة الذاتية الكردية، ودمجها في مؤسسات الدولة، ولا شك أن الدولة السورية تجاوزت بهذا الحدث واحدة من أهم مشكلاتها، وهي المشكلة التي طالما سعت إسرائيل لاستغلالها واستثمارها لتفكيك الدولة السورية طائفيا بما يتماشى مع مشروعها، ويضمن بقاءها في فلسطين.
العامل الأساس في تحول الحالة الكردية في سوريا - وإن لم يكن العامل الوحيد - انبثق من الخطوة الهامة التي تبناها الرئيس السوري، وهي الاعتراف بالهوية الكردية والثقافة الكردية، وفي مقدمتها اللغة الكردية؛ وإعطاء الحق في تدريسها نظاميا، وهذا القرار الصائب أعاد للكرد حقوقهم التي سلبها منهم النظام السابق، وقد مهد الاعتراف بهذه الحقوق الطريق لهذا الاندماج وشجع الكرد على قبوله. والاعتراف بهويات الأقليات وإعطاؤها حقوقها أساسان في استقرار الدولة الوطنية الحديثة، وهما مما أدى إلى نجاحها واستقرارها في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.
ومن المسائل الهامة التي تتحدث عنها النخب الكردية في سوريا اسم الدولة الرسمي، وهو الجمهورية العربية السورية، واسم الجيش، وهو الجيش العربي السوري، وكذلك الجنسية التي تنص على وصف عربي سوري، وإضافة كلمة العربية في اسم الدولة، وكلمة العربي في اسم الجيش والجنسية جاءت نتيجة الفكر القومي الذي تبناه حزب البعث وحكمت عائلة الأسد باسمه.
وقد كان اسم سوريا الرسمي قبل وصول حزب البعث للحكم عام 1963 الجمهورية السورية حسب العديد من المصادر، وليس الجمهورية العربية السورية؛ والاسم الأخير من المسائل التي يتحسس منها السوريون الكرد ونخبهم بالإضافة إلى اسم الجيش والجنسية، إذ يرون أنها تغيب هويتهم الكردية حتى قال أحدهم في لقاء على إحدى القنوات الفضائية، وهو يتحدث عن هذا الموضوع: جواز سفري يشير إلى أنني عربي سوري بينما أنا كردي سوري.
ولا أظن أن القيادة السورية الجديدة بما صدر منها من قرارات سياسية تظهر الحكمة وبعد النظر ستتجاهل هذه المسألة بعد اعترافها بحقوق الكرد وثقافتهم ولغتهم، والاستغناء عن كلمة العربية والعربي في اسم الدولة والجيش والجنسية حتى تصبح الجمهورية السورية، والجيش السوري، وسوري الجنسية، وهذا لا يمس هوية الدولة وسيزيد من روح الانتماء الوطني للكرد وغيرهم من الأقليات مثل الشركس ويعزز اندماجهم في الدولة.
ويكفي أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة، والكل يتحدث بها بمن في ذلك الكرد، وسوريا لن تكون الدولة الوحيدة في الاستغناء عن كلمة العربية في اسمها ومؤسساتها الرسمية، فهذا الاسم الرسمي للعراق الجمهورية العراقية، والوضع العراقي مشابه إلى حد كبير للوضع في سوريا من حيث وجود الكرد، والعديد من الأقليات الأخرى.
وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى استبعاد كلمة العربية من الاسم الرسمي لليمن بعد الوحدة بين الشمال والجنوب عام 1990، حيث أصبح بعد ذلك الجمهورية اليمنية بعد أن كان اسم اليمن الشمالي قبل الوحدة الجمهورية العربية اليمنية مع أن سكان اليمن كلهم عرب، ومما يتداول حول هذا التغيير أنه اعتمد باقتراح من الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر، حيث قال آنذاك لا داعي لإضافة كلمة العربية في اسم الدولة وهو ما حدث بالفعل.