ثاني أكسيد الكربون ليس عدوا بل ثروة مدفونة تحت الأرض
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦في محطة توليد رابغ على الساحل الغربي للمملكة، يجري اختبار مشروع بحثي فريد من نوعه في العالم، حيث تعمل منصة متنقلة على احتجاز ثاني أكسيد الكربون والملوثات الأخرى من غازات الاحتراق بنسبة تصل إلى 99%، باستخدام تقنية التجميد المبتكرة. هذا المشروع، الذي أطلقته الشركة السعودية للطاقة بالتعاون مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وبإشراف من وزارة الطاقة، يستهدف تقليل الانبعاثات صعبة الخفض، تمهيدا لتطبيقه على نطاق واسع في قطاع توليد الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار سعي الشركة لتحقيق صافي الانبعاثات الصفري بحلول عام 2050. قصة هذا المشروع هي نموذج مصغر لثورة كبرى في مجال احتجاز الكربون تقودها المملكة العربية السعودية، وتضعها في مصاف الدول الرائدة عالميا في هذه التقنيات الحيوية.
فالمملكة ليست مجرد مختبر لتجربة هذه التقنيات، بل هي بيت خبرة عالمي في هذا المجال، حيث تمتلك أرامكو السعودية واحدة من أكبر البنى التحتية لاحتجاز الكربون في العالم. فمنذ عام 2015، نجحت منشأة العثمانية في احتجاز وتخزين حوالي 1.57 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم هائل يعكس الخبرة المتراكمة للمملكة في هذا المجال. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، ففي ديسمبر 2024، وقعت أرامكو وشركاؤها ليندي وSLB اتفاقية مساهمين لتطوير مركز ضخم لاحتجاز الكربون في الجبيل، ستبلغ طاقته في مرحلته الأولى تسعة ملايين طن سنويا من ثاني أكسيد الكربون، مع خطة للوصول إلى 44 مليون طن سنويا بحلول عام 2035، وهو ما سيجعل هذا المركز الأكبر من نوعه في العالم.
ولكن القصة لا تقتصر على احتجاز الكربون من المداخن فقط، بل تمتد إلى التقاطه مباشرة من الهواء. ففي مارس 2025، دشنت أرامكو أول وحدة تجريبية في المملكة لاحتجاز الكربون المباشر من الهواء، وهي قادرة على إزالة 12 طنا من ثاني أكسيد الكربون سنويا من الغلاف الجوي، وتم تطويرها بالتعاون مع شركة سيمنز للطاقة، وستعمل كمنصة لاختبار مواد الجيل القادم لالتقاط الكربون في مناخ المملكة المتميز. هذه الوحدة هي خطوة أولى نحو بناء منشآت واسعة النطاق للاحتجاز المباشر، وهي تعكس التزام أرامكو بتحقيق الحياد الصفري لانبعاثات النطاقين الأول والثاني في أصولها التشغيلية المملوكة بالكامل بحلول عام 2050، وذلك من خلال نهج الاقتصاد الدائري للكربون.
وتأتي كل هذه الجهود في إطار مبادرة السعودية الخضراء الطموحة، التي تستهدف الوصول إلى الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2060، وذلك من خلال تطبيق تقنيات الاقتصاد الدائري للكربون. وفي ديسمبر 2024، شهد منتدى مبادرة السعودية الخضراء توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في هذا المجال، منها مذكرة بين وزارة الطاقة والهيئة الملكية للجبيل وينبع لإنشاء مركز لالتقاط الكربون والاستفادة منه في مدينة ينبع الصناعية، ومذكرات أخرى مع جامعات وشركات عالمية لتقييم جدوى تقنيات الاحتجاز المباشر.
وهكذا، لا تقتصر جهود المملكة على مشروع واحد، بل هي منظومة متكاملة من الشراكات والابتكارات والاستثمارات، تجعلها في طليعة الدول التي تساهم في حل إحدى أكبر مشكلات العصر، وهي انبعاثات الكربون التي تهدد مناخ الأرض.