أزمة «اتصال مؤسسي».. لغتنا بلكنة لا تشبهنا!
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦هل واكبت الشركات الاستشارية حجم الإنفاق؟يختصر هذا السؤال أزمة متكررة في كواليس مشاريعنا الكبرى تستوجب الوقوف عندها؛ ففي الوقت الذي تمضي فيه المملكة بخطى متسارعة نحو الانفتاح الثقافي والتحول الرقمي، مستقطبة الكفاءات العالمية والعقول الإبداعية، ومراهنة على الكوادر الوطنية كركيزة أساسية لرؤية 2030، يبرز تساؤل جوهري: من يصوغ خطابنا الموجه للعالم؟ وهل تعنى الشركات الاستشارية الدولية بفهم أبعاد ثقافتنا المحلية إعلاميا؟
وفي هذا السياق، تكتسب أهمية الاتصال المؤسسي وتعزيز العلامة التجارية بعدا استراتيجيا، بوصفهما أصلا جوهريا لا نشاطا تسويقيا هامشيا. وكما يشير الباحثان سيس فان ريل وتشارلز ومبرون، تظهر الدراسات العالمية أن السمعة المؤسسية تشكل 63% من القيمة السوقية للشركات، فضلا عن تأكيد مؤشر «إس آند بي» أن أكثر من 90% من قيمة الشركات تكمن في أصول غير ملموسة.
رغم النجاحات اللافتة التي حققتها بعض الشركات الاستشارية في قطاع الاتصال والتسويق، تكشف معاينة العديد من المشاريع عن فجوة واضحة بين إدارات الاتصال والجمهور. وهنا تبرز أهمية «القرابة الثقافية»؛ فالجمهور يميل إلى الرسائل التي تعكس لغته وسياقه المحلي، ويتجاهل الرسائل المستوردة مهما بلغت احترافيتها وحداثتها؛ فجوهر الرسالة يكمن في فهم المتلقي والتأثير فيه منذ مرحلة التخطيط وحتى وصول الفكرة. وتقع هذه المسؤولية على عاتق الشركات التي تتبنى أفكارا نابعة من مدارس عالمية لا تلائم واقعنا، مهما بلغت رصانتها.
ومن هنا يبرز تساؤل جوهري حول جدوى الخبرات الدولية في صياغة استراتيجيات الاتصال: هل واكبت هذه الشركات حجم الإنفاق؟ وهل حققت النتائج المأمولة في تعزيز العلامات التجارية وتحقيق الأهداف التوعوية؟ إن واقع التجربة يشير إلى أن الخلل يكمن في محاولات تطبيق استراتيجيات لا تتسق مع ثقافة المجتمع. ولتعزيز حضور الهوية السعودية عالميا، ينبغي تجاوز الحملات المكلفة التي تمر دون أثر ملموس أو لغة مفهومة، بل إنها تعجز أحيانا عن إيصال أبسط الرسائل. ومن المفارقات في هذا السياق، ما حدث في إحدى الورش حين طرحت فكرة إبداعية باللغة الإنجليزية، لكن عند ترجمتها اصطدم الجميع بترجمة حرفية أفرغت المقترح من جوهره وأفقدته معناه.
لمعالجة هذه الإشكاليات مستقبلا، ينبغي على الاستشاريين إجراء دراسة دقيقة للجمهور وتحديد شرائحه قبل البدء في أي عمل، وتعيين قيادات سعودية خبيرة على رأس كل مشروع، ودمج الطاقات الشابة بالخبرات المتخصصة - بمن فيهم الخبراء الدوليون - بهدف بناء منظومة إدارية تضمن توزيع الأدوار بفاعلية، وتحافظ على رصانة الأفكار، وتكفل توطين الخطاب.
في النهاية: المشكلة ليست أن نتحدث إلى العالم، بل أن نعرف كيف نجعله يفهم رسالتنا بثقافتنا؛ وأن تصل الرسالة المستحدثة إلى الجمهور المحلي بلسانه وسياقه، لا بترجمة فكرة لم تُبن من البداية على فهمه.