كم من "حمد" مجهول!
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦
ولد حمد في قرية صغيرة، عاش طفولته كغيره من أبناء القرى حياة بسيطة ومتواضعة، إلا أنه لم يكن كأقرانه بل كان يميل إلى العزلة وغالبا لا يمارس اللهو مع أشقائه ولا اللعب مع أقرانه من الجيران والأقارب إذ سرعان ما يعتريه الملل، حيث ينفر من الرتابة ويتجنب الإزعاج، يطيل التفكير والتأمل أو "السرحان" كما يصفه والداه، ويفضل أن يمارس أنشطة خاصة من الترفيه، حيث يمارس اللعب الفردي ويصمم ألعابا خاصة به تثير سخرية الكبار قبل الصغار.
دخل حمد المدرسة حالما أو طامحا - دون أن يدرك ذلك في تلك السن - بأن يجد بين جدرانها ما يستجيب لمواهبه ويروي فضوله ويشبع شغفه، خصوصا بعد ما سمعه من كلمات تشجيع من والديه وتحفيز من معلميه وهو لا يزال في أسبوعه الأول من الدراسة.
دخول حمد المدرسة كان انتقالا لعالم جديد، عالم أكبر من بيته وأوسع من قريته، التي كان يظن بل يوقن أنها العالم كله، وأن نهايته عند سفح الجبل الذي يحتضنها. ولم تكن تلك الصدمة الوحيدة والتي بإمكانه مجابهتها وتجاوزها، لأن الصدمة الأكبر التي تركت ندوبا مستدامة في النفس هي التنمر الذي تعرض له من زملائه بل ومن المعلمين، حيث اتخذوا من نظاراته عدسات للسخرية ومن عدم ممارسته للأنشطة في حصة الرياضة ميدانا للتهكم، ومن عزلته قلعة للازدراء، وهكذا بدأ سنواته الأولى في المدرسة، يتجرع كأس التنمر على أطباق الإحباط والتحطيم، ولم يشفع له تفوقه ولا أخلاقه في صد تلك الهجمات الشرسة.
في الصف الخامس انتقل عمل والده لإحدى المدن الكبرى لتنتقل معه أسرته، وهناك في المدرسة الجديدة امتدت الظروف نفسها التي في القرية، والتي كانت كفيلة هذه المرة لثورة حمد ضد المدرسة وإضرابه عن الحضور، ورغم قسوة والده وتحفيز والدته، وصل لمرحلة من الانهيار النفسي لا يتحملها جسده النحيل ولا أفكاره المتقدة. وفي الصف السادس نقله والده لمدرسة أخرى لعل بيئتها خالية من التنمر رغم بعدها عن مسكن الأسرة.
وهنا كان الفرج على يد أحد الأخصائيين الاجتماعيين الذي اكتشف في حمد أطلال موهبة وبقايا نبوغ محبوسة خلف أسوار الجهل والإهمال، ومتناثرة بين أكوام الإحباط والتنمر، هذا المنقذ النبيه عكف على دراسة حالة حمد بكل تفاصيلها وتدوين ما يحتاج للتدوين، وقام بالتواصل مع والده ليرفع تقريرا يوصي فيه بنقل حمد إلى إحدى مدارس الموهوبين لعل أن يتم انتشال تلك الموهبة من الإحباط وتحريرها من الأسر لإعادة شتلها في بيئة ملائمة وأجواء صحية تساعد على النمو وتعزز الموهبة وتحفز الإبداع.
ليكمل بعدها المرحلتين المتوسطة والثانوية في مدارس الموهوبين، لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير بيئة بل إعادة اكتشاف لنفسه وترميم الثقة بها ووضع القدم في المسار الصحيح الملائم لموهبته وقدراته. في المرحلة المتوسطة شارك في مسابقات علمية في الرياضيات والعلوم على مستوى منطقته التعليمية.
في المرحلة الثانوية شارك على مستوى المملكة ووصلت بعض أفكاره وأبحاثه لمستوى متقدم في المنافسة، وحصل على دورات مكثفة خلال الإجازات الصيفية في إحدى الجامعات لتنمية قدراته ولاستكمال أبحاثه، ووعد بعد التخرج من الثانوية بالحصول على منحة دراسية في مجال العلوم في التخصص الذي يهواه في أي جامعة بالعالم.
وحكاية حمد لا تزال مستمرة كمسلسل وإن تعددت الأسماء واختلفت الظروف، والسؤال الذي يبرز هنا كم من حمد يا ترى دفنت موهبته ووئدت طموحاته وغيبت قدراته؟ ولا شك بأنهم كثير على امتداد جغرافيا الوطن.
وهنا لا بد من تعزيز تفعيل البرنامج الوطني للكشف عن الموهوبين وتكثيف الجهود في البحث عنهم، خصوصا في الأماكن النائية، فعلى وزارة التعليم من جهة ومؤسسة (موهبة) من جهة أخرى أن ترسما خارطة طريق للاستكشاف تتمثل في بث الكشافين المؤهلين للمدارس.
كما يجب أن تتضافر جهودهما في تدريب الأسر والمعلمين والمعلمات في المراحل كافة، وخصوصا مرحلة الطفولة المبكرة والابتدائية، على علامات الموهبة ودلائل النبوغ ليتسنى اكتشافهم مبكرا والعناية بهم واحتضانهم من البداية لتهيئتهم للولوج لعالم الإبداع واحتواء مواهبهم في حاضنات الموهبة التي يجب أن تعمم في كل محافظات الوطن. فأبناؤنا منجم يحوي ثمين الجواهر متى ما تم التنقيب عنها وصقلها.
دخل حمد المدرسة حالما أو طامحا - دون أن يدرك ذلك في تلك السن - بأن يجد بين جدرانها ما يستجيب لمواهبه ويروي فضوله ويشبع شغفه، خصوصا بعد ما سمعه من كلمات تشجيع من والديه وتحفيز من معلميه وهو لا يزال في أسبوعه الأول من الدراسة.
دخول حمد المدرسة كان انتقالا لعالم جديد، عالم أكبر من بيته وأوسع من قريته، التي كان يظن بل يوقن أنها العالم كله، وأن نهايته عند سفح الجبل الذي يحتضنها. ولم تكن تلك الصدمة الوحيدة والتي بإمكانه مجابهتها وتجاوزها، لأن الصدمة الأكبر التي تركت ندوبا مستدامة في النفس هي التنمر الذي تعرض له من زملائه بل ومن المعلمين، حيث اتخذوا من نظاراته عدسات للسخرية ومن عدم ممارسته للأنشطة في حصة الرياضة ميدانا للتهكم، ومن عزلته قلعة للازدراء، وهكذا بدأ سنواته الأولى في المدرسة، يتجرع كأس التنمر على أطباق الإحباط والتحطيم، ولم يشفع له تفوقه ولا أخلاقه في صد تلك الهجمات الشرسة.
في الصف الخامس انتقل عمل والده لإحدى المدن الكبرى لتنتقل معه أسرته، وهناك في المدرسة الجديدة امتدت الظروف نفسها التي في القرية، والتي كانت كفيلة هذه المرة لثورة حمد ضد المدرسة وإضرابه عن الحضور، ورغم قسوة والده وتحفيز والدته، وصل لمرحلة من الانهيار النفسي لا يتحملها جسده النحيل ولا أفكاره المتقدة. وفي الصف السادس نقله والده لمدرسة أخرى لعل بيئتها خالية من التنمر رغم بعدها عن مسكن الأسرة.
وهنا كان الفرج على يد أحد الأخصائيين الاجتماعيين الذي اكتشف في حمد أطلال موهبة وبقايا نبوغ محبوسة خلف أسوار الجهل والإهمال، ومتناثرة بين أكوام الإحباط والتنمر، هذا المنقذ النبيه عكف على دراسة حالة حمد بكل تفاصيلها وتدوين ما يحتاج للتدوين، وقام بالتواصل مع والده ليرفع تقريرا يوصي فيه بنقل حمد إلى إحدى مدارس الموهوبين لعل أن يتم انتشال تلك الموهبة من الإحباط وتحريرها من الأسر لإعادة شتلها في بيئة ملائمة وأجواء صحية تساعد على النمو وتعزز الموهبة وتحفز الإبداع.
ليكمل بعدها المرحلتين المتوسطة والثانوية في مدارس الموهوبين، لم يكن هذا الانتقال مجرد تغيير بيئة بل إعادة اكتشاف لنفسه وترميم الثقة بها ووضع القدم في المسار الصحيح الملائم لموهبته وقدراته. في المرحلة المتوسطة شارك في مسابقات علمية في الرياضيات والعلوم على مستوى منطقته التعليمية.
في المرحلة الثانوية شارك على مستوى المملكة ووصلت بعض أفكاره وأبحاثه لمستوى متقدم في المنافسة، وحصل على دورات مكثفة خلال الإجازات الصيفية في إحدى الجامعات لتنمية قدراته ولاستكمال أبحاثه، ووعد بعد التخرج من الثانوية بالحصول على منحة دراسية في مجال العلوم في التخصص الذي يهواه في أي جامعة بالعالم.
وحكاية حمد لا تزال مستمرة كمسلسل وإن تعددت الأسماء واختلفت الظروف، والسؤال الذي يبرز هنا كم من حمد يا ترى دفنت موهبته ووئدت طموحاته وغيبت قدراته؟ ولا شك بأنهم كثير على امتداد جغرافيا الوطن.
وهنا لا بد من تعزيز تفعيل البرنامج الوطني للكشف عن الموهوبين وتكثيف الجهود في البحث عنهم، خصوصا في الأماكن النائية، فعلى وزارة التعليم من جهة ومؤسسة (موهبة) من جهة أخرى أن ترسما خارطة طريق للاستكشاف تتمثل في بث الكشافين المؤهلين للمدارس.
كما يجب أن تتضافر جهودهما في تدريب الأسر والمعلمين والمعلمات في المراحل كافة، وخصوصا مرحلة الطفولة المبكرة والابتدائية، على علامات الموهبة ودلائل النبوغ ليتسنى اكتشافهم مبكرا والعناية بهم واحتضانهم من البداية لتهيئتهم للولوج لعالم الإبداع واحتواء مواهبهم في حاضنات الموهبة التي يجب أن تعمم في كل محافظات الوطن. فأبناؤنا منجم يحوي ثمين الجواهر متى ما تم التنقيب عنها وصقلها.