حين ابتعد القريب واقترب البعيد
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦
لم يعد القرب في هذا العصر مرتبطا بالمكان كما كان. قد يفصل بينك وبين إنسان آلاف الكيلومترات، ومع ذلك تعرف أخباره وتسمع صوته وترى وجهه كل يوم، بينما يجلس إلى جوارك شخص لا تكاد تلتفت إليه، ويصبح حضوره أقل من حضور شاشة في يدك. هكذا تبدلت صورة القرب والبعد؛ فصار البعيد حاضرا في تفاصيل يومنا، وأصبح بعض القريبين على مسافة من اهتمامنا رغم أنهم على بعد خطوة،
وهكذا لم تعد المسافة تقاس بالكيلومترات وحدها، بل بمقدار ما نمنحه من انتباه ووقت. من تمنحه وقتك واهتمامك يصبح قريبا منك ولو كان في آخر الدنيا، ومن تحرمه منهما يصبح بعيدا ولو كان بابه أمام بابك.
ولعل أكثر المشاهد تعبيرا عن ذلك مجالسنا الحديثة، يجتمع خمسة أو عشرة أشخاص في مكان واحد، لكنهم في الحقيقة موزعون على عشرة أماكن. هذا يتابع شخصا في مدينة أخرى، وذاك يرد على مجموعة، وثالث يشاهد مقطعا، ورابع يتنقل بين حسابات لا يعرف أصحابها. الأجساد في المجلس، أما العقول ففي أماكن أخرى. وربما يرسل أحدهم لصديقه البعيد عشرات الرسائل، ثم يرفع رأسه إلى الجالس بجواره فلا يجد ما يقوله له
ومع ذلك، ليس من العدل أن نضع التقنية في قفص الاتهام. فقد حفظت صداقات قطعتها المسافات، ووصلت أرحاما فرقتها المدن والدول، وجعلت الغائب حاضرا بالصوت والصورة. المشكلة ليست في أنها قربت البعيد، بل في أننا سمحنا لها أحيانا أن تأخذ مكان القريب. أصبحت الزيارة رسالة، والسؤال عن الحال رمزا تعبيريا، والمجلس شاشة، والجيرة عنوانا في خرائط الهاتف أكثر منها علاقة بين إنسان وإنسان
لا نحتاج إلى العودة إلى زمن بلا هواتف، فهذا غير ممكن ولا مطلوب. نحتاج فقط إلى استعادة شيء بسيط كاد يضيع وسط كل هذا الاتصال؛ أن نكون حاضرين حيث نحن. أن نعرف جارنا، وأن نطرق بابه أحيانا بلا مناسبة، وأن نضع الهاتف جانبا حين نجلس مع من نحب، وأن نتذكر أن الإنسان الذي أمامنا أولى ببعض انتباهنا من مئات الأشخاص خلف الشاشة.
فربما كانت مفارقة عصرنا الكبرى أننا أصبحنا قادرين على الوصول إلى أي إنسان في العالم خلال ثوان، لكننا نحتاج إلى جهد أكبر كي نصل إلى الإنسان الذي يجلس بجوارنا.
وهكذا لم تعد المسافة تقاس بالكيلومترات وحدها، بل بمقدار ما نمنحه من انتباه ووقت. من تمنحه وقتك واهتمامك يصبح قريبا منك ولو كان في آخر الدنيا، ومن تحرمه منهما يصبح بعيدا ولو كان بابه أمام بابك.
ولعل أكثر المشاهد تعبيرا عن ذلك مجالسنا الحديثة، يجتمع خمسة أو عشرة أشخاص في مكان واحد، لكنهم في الحقيقة موزعون على عشرة أماكن. هذا يتابع شخصا في مدينة أخرى، وذاك يرد على مجموعة، وثالث يشاهد مقطعا، ورابع يتنقل بين حسابات لا يعرف أصحابها. الأجساد في المجلس، أما العقول ففي أماكن أخرى. وربما يرسل أحدهم لصديقه البعيد عشرات الرسائل، ثم يرفع رأسه إلى الجالس بجواره فلا يجد ما يقوله له
ومع ذلك، ليس من العدل أن نضع التقنية في قفص الاتهام. فقد حفظت صداقات قطعتها المسافات، ووصلت أرحاما فرقتها المدن والدول، وجعلت الغائب حاضرا بالصوت والصورة. المشكلة ليست في أنها قربت البعيد، بل في أننا سمحنا لها أحيانا أن تأخذ مكان القريب. أصبحت الزيارة رسالة، والسؤال عن الحال رمزا تعبيريا، والمجلس شاشة، والجيرة عنوانا في خرائط الهاتف أكثر منها علاقة بين إنسان وإنسان
لا نحتاج إلى العودة إلى زمن بلا هواتف، فهذا غير ممكن ولا مطلوب. نحتاج فقط إلى استعادة شيء بسيط كاد يضيع وسط كل هذا الاتصال؛ أن نكون حاضرين حيث نحن. أن نعرف جارنا، وأن نطرق بابه أحيانا بلا مناسبة، وأن نضع الهاتف جانبا حين نجلس مع من نحب، وأن نتذكر أن الإنسان الذي أمامنا أولى ببعض انتباهنا من مئات الأشخاص خلف الشاشة.
فربما كانت مفارقة عصرنا الكبرى أننا أصبحنا قادرين على الوصول إلى أي إنسان في العالم خلال ثوان، لكننا نحتاج إلى جهد أكبر كي نصل إلى الإنسان الذي يجلس بجوارنا.