الرأي

السعودية.. حين تكون الفرصة أقوى من الرد المتعجل



ليست كل معركة تحتاج إلى صاروخ، وليست كل إساءة تستوجب ردا فوريا، فهناك ردود تتجاوز لحظات الغضب، وتنظر لما هو أبعد.

والسعودية اليوم تجد نفسها أمام واحدة من أصعب هذه المعادلات، باعتداء أتاها من أرض دولة جارة، وكانت تستطيع أن ترد عليه، ولكنها لا تريد أن يكون ردها سببا في إسقاط فرصة جديدة لإصلاح تلك الدولة الشقيقة الواعدة.

ما حدث أن طائرات مسيرة استهدفت خط شرق-غرب البترولي، فأعلنت المملكة أن المسيرات قد انطلقت من الشقيقة العراق، واستهدفت الخط ما بين منطقتي الرياض والمدينة المنورة، وأوقعت إصابات وأضرارا.

بينما أكدت حكومة بغداد آسفة أن الهجوم انطلق من داخل أراضيها، وأنها بدأت إجراءات للتحقيق ومحاسبة المسؤولين عنه.

كان بإمكان السعودية أن تختصر المسافة كلها برد عسكري ساحق مباشر، وأن تقول إن من يعتدي على منشآتها الحيوية سيدفع الثمن فورا.

لكنها اختارت الحل الأصعب بأن تمنح الدولة العراقية فرصة أخرى.

السعودية لا تخشى الرد، وإنما تخشى أن يؤدي الرد المباشر إلى إضعاف الدولة العراقية الناهضة بقيادتها الجديدة، والتي تحاول، وسط تركة ثقيلة من الفوضى والفساد والسلاح المنفلت والتدخلات الخارجية، أن تستعيد قرارها السياسي والعسكري والاقتصادي.

وقد طلب رئيس الوزراء العراقي من المملكة أن تمنح حكومته الوقت الكافي لاتخاذ الإجراءات التي تمنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على السعودية ودول الجوار، فاستجابت الرياض، وأعلنت أنها لن ترد في هذه المرحلة الحرجة، مع احتفاظها الكامل بحقها في اتخاذ ما يلزم لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها.

هذه ليست هدية مجانية، وإنما فرصة أخيرة للدولة العراقية الجديدة كي تثبت أن العراق دولة قانون، لا تسمح لسلاح دولة أخرى بأن يصادر قرارها.

والسعودية حين تفعل ذلك لا تحمي العراق من الرد السعودي فقط، بل تحمي المنطقة من دوامة فوضى جديدة.

فالقصف قد يهدم معسكرا، لكنه لا يهدم الفكرة التي أنشأت المعسكر.

وقد تستطيع السعودية أن تصل إلى مواقع كثيرة بالقوة، ولكن الوصول إلى استقرار العراق يحتاج إلى همة العراقيين أنفسهم باستعادة وطنهم من كل يد تحاول اختطافه.

الجار الذي تحرص السعودية على استقراره لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر خطر عليها، والصديق الذي تطمح الرياض إلى أن تراه قويا لا يمكن أن يبقى عاجزا عن ضبط أرضه وحدوده.

والعراق نفسه لا يمكن أن يبني اقتصاده، ويستعيد مكانته، ويراعي شعبه، ويصنع مستقبله، بينما تعيث على أرضه قوى مارقة تستطيع أن تفتح حربا مع جيرانه متى شاءت.

السعودية اليوم لا تريد كسر العلاقة مع العراق، بل تريد إنقاذها من أن تكسرها الميليشيات.

والسعودية لا تريد إضافة عاصفة جديدة لهذا الشرق المنهك، بل تريد وطنا عراقيا قويا، وحدودا لا تعبرها إلا إرادة الدولة، وجيرة تحفظ المصالح ولا تهددها.

لقد جربت السعودية الصبر، وجربت الحوار، وجربت منح الفرص، وستظل تحاول؛ ولكنها تدرك أن الكي آخر الدواء، حيث تنعدم الفرص.

أن تكون السعودية مُصلِحة في ذاتها، ومحيطها العربي، وفي تواجدها الإقليمي والعالمي أفضل مئات المرات من أن تعمل بالخفاء، وتنسج مؤامرات تخريب الأوطان، وتقدم الشطط على العقل.