الرأي

من أخذ مكان الإعلامي؟



في إحدى الفعاليات الكبرى، كان لافتا أن أكثر الأشخاص حركة في المكان لم يكونوا خلف كاميرات القنوات، ولا يحملون بطاقات الصحافة التي اعتدنا رؤيتها في مثل هذه المناسبات. كانوا يحملون هواتفهم.

يتنقل أحدهم بين الحضور، يلتقط مقطعا قصيرا، يحيي متابعيه، يقترب من شخصية معروفة، ثم ينتقل إلى زاوية أخرى. وبعد دقائق، تكون الفعالية قد وصلت إلى جمهور ربما لم تطأ أقدام أفراده المكان أصلا.

لم يكن المشهد مستغربا في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءا من تفاصيل حياتنا. ومع ذلك، كان يكشف عن تحول يتجاوز أدوات التغطية وطريقة نقل الخبر؛ لقد تغير شكل الحضور الإعلامي نفسه.

في السابق، كان للمناسبات الكبرى مشهد إعلامي يكاد يكون ثابتا. الصحفيون والمراسلون والمذيعون جزء من الصورة، ووجودهم يمنح الحدث نافذة إلى الجمهور. كانت المؤسسة الإعلامية هي الطريق الرئيس للوصول، وكان الإعلامي أحد أهم العابرين من خلالها.

أما اليوم، فقد أصبحت الطرق أكثر عددا، وأقصر، وأسرع. قد يصل الحدث إلى الناس قبل أن تنتهي الفعالية، وقد تتشكل صورته في أذهان الجمهور من مقطع لا يتجاوز نصف دقيقة، أو من انطباع شخص يمتلك ملايين المتابعين.

وهكذا دخل المؤثر إلى مساحة كانت تحسب طويلا على الإعلام. لكنه لم يدخل بالضرورة ليأخذ مهنة أحد، بقدر ما دخل لأن صناعة الوصول إلى الجمهور تغيرت.

في الماضي، كان امتلاك المنبر يعني امتلاك القدرة على الوصول. أما اليوم، فأصبح امتلاك الجمهور نفسه نوعا من المنبر. وهذه النقلة أعادت ترتيب حسابات المؤسسات والفعاليات؛ فالشخص الذي يأتي ومعه جمهور كبير لا يأتي وحده، بل يأتي ومعه مساحة واسعة من الانتباه.

يستطيع المؤثر أن ينقل تجربة المكان، وأن يجعل متابعيه يشعرون بأنهم كانوا جزءا منها، وأن يحول لحظة عابرة إلى محتوى يستمر بعد انتهاء الحدث. وهذا يفسر الحضور المتزايد للمؤثرين في المناسبات الكبرى أكثر مما تفسره فكرة إحلالهم محل الإعلاميين.

فالمنصات لم تغير الوسيلة فقط، وإنما غيرت اقتصاد الانتباه أيضا. أصبح الوصول إلى الجمهور قيمة مستقلة، وأصبح الوقت الذي يمنحه الناس للمحتوى أكثر ندرة. ومن يعرف كيف يحظى بهذا الوقت، ويحافظ عليه، بات لاعبا مهما في المشهد.

لكن هذا التحول يحمل تحديا آخر أكثر عمقا.

عندما يصبح الوصول هو المعيار الأكثر وضوحا، قد تتراجع أحيانا قيم أخرى يصعب قياسها بالأرقام. فالمحتوى الإعلامي لا يقوم على سرعة الوصول وحدها. هناك التحقق، والسياق، والتحليل، والقدرة على قراءة ما وراء المشهد. وهناك سؤال يحتاج إلى بحث، ومعلومة تحتاج إلى تدقيق، وقصة لا تظهر كاملة في أول صورة تلتقطها الكاميرا.

هذه القيمة لا ترتبط بعدد المتابعين، وإنما بقدرة صاحبها على صناعة المعنى.

من هنا، لا ينبغي أن يقرأ التحول الذي يعيشه الإعلام بوصفه معركة بين الإعلامي والمؤثر. فالمشهد أكثر تعقيدا من ذلك. المؤثر جاء بقوة جديدة تتمثل في العلاقة المباشرة مع الجمهور، بينما يملك الإعلامي فرصة لإعادة اكتشاف قوة أخرى: المعرفة المهنية، والتحقق، وطرح الأسئلة، والتحليل، وصناعة القصة التي تتجاوز لحظة انتشارها.

وقد تجتمع القوتان في شخص واحد. وهذا نموذج مرشح للحضور بقوة في المستقبل: شخص يفهم المهنة، ويعرف المنصات، ويمتلك القدرة على الوصول، من دون أن يفقد قيمة ما يقدمه أو يختزلها في أرقام المشاهدة.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس أن يستعيد الإعلامي مقعده القديم في الفعالية. التحدي أن يجعل مقعده الجديد أكثر قيمة.

فالعالم لم يعد يحتاج إلى شخص يخبره فقط بما حدث؛ إذ يستطيع هاتف صغير أن يفعل ذلك في لحظته. العالم يحتاج إلى من يساعده على فهم ما حدث، ولماذا حدث، وما الذي يعنيه، وما الذي يستحق أن يبقى بعد أن تنتهي ضجة المشهد.

لهذا، لا أرى أن زمن الإعلامي انتهى. الذي انتهى، أو يكاد، هو الزمن الذي كانت فيه صفة الإعلامي وحدها كافية لصناعة الحضور.

أما اليوم، فالحضور يحتاج إلى قيمة.

والمستقبل لن يكون لمن يملك الكاميرا، ولا لمن يملك أكبر عدد من المتابعين فقط، بل لمن يستطيع أن يجمع بين الوصول الذي يريده الجمهور، والمعنى الذي يحتاج إليه.

فالمشهد الإعلامي لم يفقد الإعلامي مكانه؛ لقد طلب منه فقط أن يعيد تعريفه.