أبرهة الحوثي
الأحد، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦تجاوزت كل الأعراف والمفاهيم. يصعب توصيفها. كل القبح يجتمع في شكلها والمضمون وجذورها التأسيسية. يمثلها بعض من المغيبين عن الحقيقة والواقع، والأغبياء والمجرمين، وأسرى إدمان المخدر.
جماعة أنصار الله الحوثية المقصودة في المقدمة، أثبتت بما لا يدع للشك مجالا أن سقفها الإرهابي هو الأعلى والأكثر تمردا. لا يوازيها في ذلك إلا طرفان. الأول: الميليشيات الإرهابية في العراق. الثاني: رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والدولة الإسرائيلية العميقة، التي ابتلعت أرضا وشعبا بناء على أفكار أيديولوجية دينية مقيتة.
وتشبيه المتطرفين في إسرائيل، بالإرهابيين العرب، بمن فيهم الحوثي والميليشيات الإرهابية الموالية لإيران في العراق، أتصور أنه جائز من حيث المنطق، لماذا؟ لأن أهداف تلك الأطراف واحدة. فرض واقع محفوف بالقتل والموت، وفتح مزيد من المقابر.
وهذا ليس تهيؤات أو تنظيرا، بقدر ما أن هناك كثيرا من الأدلة على جواز التشبيه الذي ذكرت. مثل ماذا؟ تكرار اقتحامات المسجد الأقصى من قبل حكومة نتنياهو، الأمر الذي يستنكره عبد الملك الحوثي قائد جماعة أنصار الله الإرهابية في اليمن.
فقد رفض المختبئ بأحد كهوف صعدة، نظير فقدانه الفروسية والشهامة في 30 مايو 2022؛ ما اعتبره تدنيسا للمسجد الأقصى في الأراضي الفلسطينية. وقتذاك اقتحم قرابة 1700 شخص من المستوطنين الإسرائيليين ساحات المسجد الأقصى، احتفاء بما يسمى يوم توحيد القدس، بغطاء أمني من جهاز الأمن العام «الشاباك».
خرج الحوثي في بيان حينها ليقول «الاعتداءات الصهيونية على المسجد الأقصى، مستفزة وتوجه رسالة إلى كل المسلمين».
هنا أنقاد إلى سؤال منطقي: ما إذا وضعنا في الاعتبار قدسية المكان المرتبطة بالمساجد - أعني أي مسجد على وجه الأرض في مورتيانيا أو بوركينافاسو أو جاكرتا -، ألا يوازي في قيمته الدينية المسجد الأقصى، أو ذاك الذي طاله مقذوف تابع لأنصار الله ليل السبت في محافظة الطوال التابعة لمنطقة جازان جنوب السعودية. أليست القدسية واحدة؟
وانتهاك حرمة بيوت الله في قواميس هؤلاء الشرذمة الخارجين عن الطبيعة الإنسانية واردة وبكل إسفاف وبجاحة، فقد سبق الحوثي قبلها بيوم أصحاب العمائم السوداء في العراق، من خلال استهداف المدينة المنورة ثاني أقدس بقاع الأرض، وذات الطابع الديني الكبير والعميق في نفوس أكثر من مليار مسلم على أرجاء المعمورة.
وبما أن التاريخ لا يتجزأ، أو يمكن التعامل معه ككعكة يؤخذ منها ما يطيب للمرء، يجب ربط الهجوم الأخير على المدينة المنورة والمسجد في الطوال، بقصف مكة المكرمة بصواريخ حوثية ثلاث مرات متتالية، في عام 2016، والعام الذي تلاه، وأخيرا في 2019.
على كل حال، سأحاول تفسير لماذا لجأت الجماعات المتمردة لهذا النوع من التكتيك. برأيي، إنها ترمي لعدة أهداف. أولا: بعد فشل تلك الميليشيات في استفزاز المملكة من الناحية السياسية، وجرها لأتون الصراع الإيراني - الأمريكي؛ استهداف دور العبادة والمساجد يمثل نقطة إثارة للمجتمع المحافظ في السعودية. يتصور أولئك أن السعوديين يمكن أن يشكلوا عامل ضغط ضد دولتهم. وكونهم نتاج جمهوريات لا تحترم الإنسان، لا ألوم قصر فهمهم لشكل الارتباط بين الدولة والشعب.
ثانيا: هي محاولة لنقل الخلاف مع الرياض من مشكلة ذات أبعاد سياسية لصراع هوية دينية، أو مذهبية؛ إن جاز التعبير. ثالثا: تشتيت الانتباه، أو التنفيس وتخفيف الضغط عن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الغارقة بمستنقع مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا ما يؤكده التجاوز على المقدسات من ناحية، ناهيك عن مهاجمة المملكة من الجهة الشرقية عبر العراق، والجنوبية عبر اليمن.
يجهل حوثي اليمن، ورفقته في العراق، أن القانون الدولي الإنساني، يحرم الاعتداء على المساجد ودور العبادة، كأعيان مدنية لا يجوز توجيه الهجمات إليها، وأن استهدافها المتعمد، يدخل في تصنيف جرائم الحرب، المستوجبة للمحاسبة الدولية، كونها ليست مواقع عسكرية.
أتفهم حالة العداء ضد السياسة السعودية. أؤمن أنها مشروعة لهم. لكني لا أدرك حجم الصفاقة التي يعتمدها ثلة من المارقين، دون مراعاة للحسابات التي قد تنعكس على موضعهم في الإطار العام للعالم العربي بل حتى التاريخ الإسلامي.
أستطيع القول إن الأحداث المتكررة من قبل جماعة الحوثي ومسانديهم في العراق وأي بقعة في العالم، والجرأة على المقدسات في المملكة، يمثلان استمرارا لنمط عدائي ممنهج، في مقابل أنهما يعكسان استخفافا واضحا بقواعد القانون الدولي الإنساني وبحماية المدنيين، ويؤكدان الطبيعة الإرهابية لهذه الميليشيات التي تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
إن أي خطوة تتخذها الرياض من إجراءات وتدابير لازمة للدفاع عن سيادتها وأمنها الوطني، وضمان وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها، وحماية مرافقها الحيوية، ومواجهة النهج العدائي للميليشيات الإرهابية أيا كانت، هي حق مشروع لها، فحماية المقدرات الوطنية مكتسب مشروع لا يؤخذ فيه الإذن من أحد مهما بلغت مكانته الدولية.
لقد وضعت جماعة الحوثي المتطرفة نفسها في أرذل صفحات التاريخ، ليلعنها أكثر من مليار مسلم كلما ولوا وجوههم نحو أطهر بقاع الأرض.
على هذا الأساس، يجوز وصف الزعيم المارق عبد الملك الحوثي.. بأبرهة الجديد.