ظاهرة التشاتم المتبادل بالتراضي الضمني: قراءة نفسية وقانونية
الأحد، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦لم تعد ظاهرة التشاتم المتبادل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مشهدا عابرا يمكن اختزاله في خلاف بين شخصين؛ بل أصبحت صورة سلوكية ملاحظة تتكرر بصورة لافتة، ويستمر بعضها فترات طويلة، يتبادل خلالها طرفان السباب والإهانة والطعن والتشهير، وقد يصل الأمر إلى القذف والتعرض للأعراض، ثم يستمر كل منهما في الرد على الآخر، وكأن بينهما اتفاقا غير معلن: أنت تشتم ما تشاء، وأنا أشتم ما أشاء، فلا تذهب إلى الجهة الأمنية ولا أذهب إليها. وهذا ما يمكن تسميته بـ«التشاتم المتبادل بالتراضي الضمني».
والسؤال هنا ليس عن سبب وقوع المشاجرة، وإنما عن سبب استمرارها، وعن الدافع الذي يجعل الإنسان يقبل أن يبقى في علاقة عدائية طويلة، وهو قادر على الانسحاب منها واتخاذ الإجراءات الرسمية لإنهائها.
هنا نضطر للنظر إلى الناحية النفسية، فقد يرتبط هذا السلوك لدى بعض الأشخاص بالحاجة إلى تعويض الشعور بالنقص، أو إثبات الذات من خلال القوة العدوانية، أو إشباع نزعة انتقامية لا تجد طريقها في الواقع. فبدل أن يستمد الإنسان قيمته من الإنجاز أو المعرفة أو المكانة، قد يحاول إثباتها بإسقاط من يراه يخالفه وإحراجه أمام الآخرين. وهنا تصبح الشتيمة وسيلة لإشباع الذات وإيهامها بالقوة، لا مجرد تعبير عن غضب عابر.
ويضاف إلى ذلك البحث عن الشهرة والتفاعل؛ إذ تتحول الخصومة في بعض الحالات إلى محتوى يتابعه الجمهور، فيجد كل طرف حوله مؤيدين ومعارضين، أو أشخاصا يتابعون مثل هذه السلوكيات السلبية في المجتمع للتندر والتسلية والضحك والتعليق عليها، فيتحول النزاع إلى مادة للفرجة الرقمية، ويزداد تمسك الطرفين بالاستمرار. وقد يدخل في هذا النمط إعلاميون وشعراء وأصحاب حسابات معروفة، فيصبح كل رد فرصة لمزيد من المشاهدات والتعليقات وإعادة النشر. وهنا لا يعود الخصم هو المخاطب الوحيد، بل يصبح الجمهور طرفا غير مباشر في الخصومة، وقد يتحول تفاعله من مجرد متابعة إلى عامل يغذي النزاع ويمنحه حياة أطول، حتى يصبح التشاتم نفسه محتوى يستمد استمراره من جمهور يتابعه ويتندر به.
أما من الناحية القانونية، فإن كون الإساءة متبادلة لا يجعلها مباحة، ولا يحول استمرار الطرفين في التشاتم إلى شأن خاص بينهما، ولا يعني أن عدم لجوء أحدهما إلى الجهات المختصة يسقط ما قد يترتب على الأفعال المرتكبة من مسؤولية. فمتى تجاوز السلوك حدود الاختلاف والمشادة إلى أفعال مجرّمة شرعا ونظاما، فإن الأمر لا يقف عند إرادة المتخاصمين وحدها، وإنما تتصل به مصلحة عامة تتمثل في صيانة المجتمع من تطبيع السب والقذف والتشهير والتهديد وسائر السلوكيات المجرمة، ومن تحولها إلى ممارسة مألوفة يجري التسامح معها لمجرد أنها متبادلة. ولذلك فإن التكييف القانوني لا يقوم على قاعدة «اشتمني وأشتمك»، وإنما ينظر إلى فعل كل طرف ومضمونه ووسيلة ارتكابه وآثاره، لذا فإن الواجب على الجهات الأمنية فهم هذه الظاهرة بوصفها نمطا سلوكيا قابلا للتطور، وقد يتجاوز أثره أطراف الخصومة إلى الاعتداء على الحق العام؛ فحتى عندما يقع التراشق بالشتائم بين شخصين، فإن ردع هذا السلوك لا يحمي أطراف الخصومة فحسب، بل يسهم في صيانة المجتمع من تطبيع الممارسات المجرمة وتحولها إلى سلوك مألوف. ولا يعني ذلك التعامل مع كل مشادة رقمية خالية من السلوك المجرّم وفق نظام مكافحة جرائم المعلوماتية باعتبارها خطرا أمنيا على المجتمع، وإنما يقتضي التمييز بين المشادة العابرة وبين الأشخاص الذين يتخذون من التشاتم والإساءة عبر مواقع التواصل الاجتماعي سلوكا متكررا وممتدا، مع الانتباه إلى مؤشرات التصعيد التي قد تنقل الخصومة من نطاقها الفردي إلى نطاق أوسع. فالمعالجة الأمنية الواعية تبدأ بفهم الظاهرة ورصد أنماطها ومؤشرات تفاقمها مبكرا، حماية للمجتمع من أن يتحول التشاتم المتبادل من سلوك فردي إلى ثقافة عدوانية عامة.