لماذا يتحول التقييم إلى حد الإقصاء؟
الأحد، ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦نحن لا نعيش أزمة في غياب القيم، بقدر ما نعيش أزمة في طريقة استخدامها، فالتقييم الذي وجد أصلا للفهم والتقويم، أصبح في كثير من الممارسات اليومية أداة فرز حادة، لا تكتفي بوضع الناس في مراتب، بل تدفع بعضهم خارج المشهد كليا، ويحدث هذا التحول بهدوء، دون إعلان ودون إحساس واضح بالذنب، كأنه أمر طبيعي لا يحتاج إلى مساءلة.
وفي التجربة الإنسانية البسيطة، يميل الناس إلى اختصار العالم لتخفيف عناء التفكير، وهذا الاختصار حين ينتقل إلى تقييم البشر، يصبح خطرا، فالإنسان لا يقرأ دفعة واحدة، ولا يفهم من لقطة، ولا يحاكم من موقف عابر، ومع ذلك، تبنى أحكام كاملة على لحظة واحدة، ويختصر تاريخ طويل في انطباع سريع، ثم يتعامل مع هذا الانطباع بوصفه حقيقة نهائية.
ويبدأ الإقصاء حين نفقد القدرة على الفصل بين الفعل وصاحبه، والخطأ يتحول إلى هوية، والتقصير يعاد تعريفه بوصفه طبعا ثابتا، والاختلاف يقرأ كتهديد، وفي هذه اللحظة لا يعود التقييم توصيفا، بل يتحول إلى قرار غير معلن بإغلاق الطريق أمام الآخر، ولا نمنحه فرصة المراجعة، ولا نسمح له بإعادة التعريف بنفسه، وكأن الإنسان يولد مكتمل الحكم عليه.
ومن أخطر ما يصيب التقييم أن يتحول إلى ممارسة جماعية غير واعية، فحين تتداول الأحكام بين الناس، تفقد مسؤوليتها الفردية، وتكتسب قسوة الجماعة، والجميع يكرر، دون أن يتوقف ليسأل: هل ما يقال دقيق؟ هل هو عادل؟ هل أعرف السياق؟ ومع تكرار الحكم، يترسخ، ثم يصبح خروجه صعبا، حتى لو تغيرت الوقائع.
كما أن الإقصاء كثيرا ما يتغذى على الخوف، لا على المبدأ، ذلك الخوف من المختلف، من الصوت الحيادي، من الحضور الذي لا يمكن احتواؤه بسهولة، فيعاد تغليف هذا الخوف بلغة أخلاقية أو مهنية أو اجتماعية، ليبدو التقييم نزيها، بينما هو في حقيقته دفاع عن راحة الجماعة لا عن العدالة.
وفي بيئات العمل، والثقافة، والتعليم، يتضاعف أثر هذا السلوك، فالتقييم حين يمارس من موقع سلطة، لا يترك أثرا نفسيا فقط، بل يرسم مسارا كاملا لحياة شخص ما، فكلمة واحدة قد تغلق بابا، أو تجمد فرصة، أو تلصق سمعة لا تزول بسهولة، وهنا يصبح الإقصاء صامتا، بلا قرارات مكتوبة، وبلا محاسبة واضحة.
والمشكلة ليست في التقييم ذاته، بل في غياب التواضع عند ممارسته، فالتواضع الذي يعترف بأن المعرفة ناقصة، وأن البشر أعقد من التصنيفات، فحين يغيب هذا الوعي، يتحول الميزان إلى سكين، وتتحول القيم إلى أدوات إقصاء بدل أن تكون جسور فهم.
واللافت أن كثيرا ممن يقصون اليوم، كانوا في لحظة ما داخل الدائرة، وما يتغير غالبا ليس القيم، بل مواقع الناس، وهذا وحده كاف ليدفعنا إلى إعادة التفكير في الطريقة التي نحاكم بها الآخرين، وفي مدى استعدادنا لأن نحاكم بالمعايير ذاتها.
وفي النهاية، التقييم العادل لا ينهي الإنسان عند لحظة، ولا يختزله في صورة واحدة، ولا يمنع عنه حق التطور، أما التقييم الذي يقصي، فهو في جوهره فشل في الفهم قبل أن يكون خطأ في الحكم، وربما كان السؤال الأجدر بالطرح ليس: من هو الذي يستحق البقاء؟ بل: كيف نمنح الإنسان فرصة ألا يكون أسير حكم واحد؟