الرأي

الطنطل وأنثروبولوجيا المكان



سبق وأن تناولت في أكثر من موضع ومقال علاقة الثقافة والمكان بالسلوك الإنساني وربطه في سياق التخطيط، والتصميم، والعمارة. يساعد الموروث الثقافي على فهم كيف شكل الإنسان الفضاء العام وتأثر به؟ ويشمل ذلك دراسة المكان في الثقافة والسلوكيات العامة، فالمكان ليس مجرد منطقة جغرافية أو بناء فيزيائي فحسب؛ بل هو ذاكرة المجتمع وهويته. دعوني اليوم أتناول قصصا من الموروث العراقي وربطها في سياق العمران.

في الحقيقة، الموروث العراقي زاخر بالعديد من القصص الشعبية التي تتناول علاقة الأسطورة بالمكان. وترتبط قصص «الطنطل» على وجه التحديد بالأهوار وجنوب العراق، حيث الأنهار والأراضي السطحية التي تتجمع فيها المياه لتتحول إلى بحيرات ومستنقعات ضحلة. الانتقال بين القرى والبيوت والمزارع يتم عبر القنوات المائية الضيقة التي تتفرع من شط العرب. هذه الأماكن محفوفة أصلا بالمخاطر، فالانتقال يتم عبر القارب الخشبي الصغير أو ما يسمى بـ«البلم» باللهجة العراقية. أسهمت هذه البيئة الصعبة في نشوء حكايات حول «الطنطل»، فالذهاب عبر هذه القنوات المائية الضخمة رحلة خطرة، وعندما يعود الصياد وحده ليلا قد يضيع أو يتجه إلى مسارات مسدودة أو يغرق. كما أن رؤية القارب الصغير بين القصب والشجيرات والظهور والاختفاء ليلا يزيدان من الغموض وينسجان قصصا مرعبة حول المكان. عناصر الخوف هذه تتقاسم مع العديد من الثقافات العربية وتشمل النهر، والمقابر، والصحراء، والظلام، ووقت الظهيرة. هي بالفعل أماكن تحمل مخاطر، فالأنهار يمكن أن تؤدي إلى الغرق، والصحراء مكان يتوه فيه الإنسان، ووقت الظهيرة يمكن أن يؤدي إلى الجفاف خاصة للأطفال، والظلام يقود إلى الغموض.

حديثي هنا أعمق من مجرد دعابة أو خرافات أسطورية؛ بل قراءة للتنظيم الاجتماعي وعلاقته في ضبط السلوك الإنساني. الطنطل أثر على الخريطة الذهنية المرسومة في عقل الإنسان، وهو بذلك ساهم في ضبط مؤشر التفكير والسلوك بما في ذلك اتجاهات الحركة، والأماكن والأزمنة التي يجب تجنبها. كما أثر في تصنيف الأماكن باعتبارها أماكن آمنة وأماكن غير آمنة. لست بحاجة إلى كتابة لوحة «ممنوع الدخول» لتبيان خطورة المكان؛ بل يكفي القول «هناك طنطل في ذلك المكان!» هذا ما يمكن أن نسميه «جغرافيا الخوف» أو «الخريطة الثقافية» والتي ساهمت عبر عقود طويلة في تكوين مسارات ومناطق قائمة على السردية الاجتماعية وبلا حدود مادية. بعبارة أخرى، ساهم الموروث الشعبي العراقي في الإحساس بأبعاد المكان واستخدامه وحدود الحركة.

وبطبيعة الحال، فإن التخطيط العمراني لا يتعامل مع الخرائط المادية فحسب؛ بل يحاول فهم الخريطة الذهنية النابعة من المجتمع، واستيعاب ذلك أمر حتمي في قراءة فاحصة للمدن. وربما تضيف هذه التأملات توسعا أكثر لمفهوم الصورة الذهنية للمدينة التي وضعها Kevin Lynch وشملت المسارات، والحدود، والعقد، والمناطق، والمعالم من خلال إعادة قراءة الخريطة الثقافية. هذه القراءة تؤكد على المعنى الشامل للمكان وماذا يعني للإنسان؟ وفي حالة الأهوار Lynch يصنف القناة المائية باعتبارها مسارا للحركة؛ ولكن هذا المسار هو مكان مخيف وفقا للسردية الثقافية. وبالمثل، قد تتحول الأشكال إلى معالم Landmark ليس لأنها متميزة معماريا؛ فالشجرة البسيطة قد تتحول إلى معلم هام في القرية؛ لأن المرويات أشارت إلى ظهور «الطنطل» بالقرب منها، وهكذا فالتصنيف العمراني وحده غير كاف لتحديد المعنى دون فهم الخريطة الثقافية. باختصار، الثقافة تعيد تشكيل عناصر المدينة وفهمها من منطوق إنساني غير مرتبط بالضرورة بالشكل العمراني.