الرأي

محمد بن سلمان.. وطن يحنو على أبنائه

تزخر الذاكرة العربية بالقصص والمواقف التي تناقلتها الأجيال، لما تحمله من قيم ومعانٍ إنسانية واجتماعية تعكس نظرة المجتمع إلى الكرامة، والوفاء، ونصرة الإنسان والوقوف معه. ومن بين تلك القصص، تبرز هذه الحكاية بما تحمله من معنى عميق يستحق التأمل والاستحضار:

اعتقل شيخ قبيلةٍ رجلا من إحدى القبائل البعيدة.

فلما بلغ الخبر قبيلته، لم تتأخر عنه ولم تتركه لمصيره، بل جاء شيوخها وأمراؤها وفرسانها في حشود كبيرة، يسألون عنه، ويطلبون فداءه أو الشفاعة فيه.

فنظر شيخ القبيلة إلى تلك الحشود الضخمة، وقد أثار اجتماعهم من أجل رجل واحد دهشته، وقال متعجبا:

من هذا الرجل الذي جئتم جميعا من أجله وللشفاعة فيه؟

فقالوا بصوت رجل واحد:

هو شيخنا أيها الشيخ!

فازداد عجب شيخ القبيلة وقال:

ولِمَ لم يخبرنا عن نفسه ويكشف لنا عن هويته؟

فقالوا:

أنف أن يذل نفسه أمامك بذكر منصبه ومكانته بين قومه، وأراد أن يريك عزته بقومه، لا بما يقوله عن نفسه.

وحين رأى الشيخ ما للرجل من مكانة في قومه، وما أظهره قومه من وفاء له، أمر بإطلاقه على الفور معتذرا.

ومضت الأيام، ثم بلغ شيخ القبيلة أن ذلك الرجل لم يكن شيخا ولا أميرا، وإنما كان راعي الإبل عند تلك القبائل.

وهنا عاد إليه العجب أشد من ذي قبل، فأرسل إليهم مستفسرا ومستغربا مما صنعوه: كيف اجتمع شيوخهم وأمراؤهم وفرسانهم، وكيف بذلوا جاههم ومكانتهم، من أجل رجل لم يكن سوى راعٍ لإبلهم؟

فجاءه الرد منهم بكلمات قليلة، لكنها كانت أبلغ من كثير من الخطب:

«لا شيخ فينا إن أسر راعينا».

وهنا تتجلى العبرة في معناها الإنساني الواضح؛ فتماسك المجتمع وقوته يظهران في حفظ الحقوق، وصون الكرامة، والاهتمام بكل أفراده، وبخاصة من يحتاج منهم إلى المساندة والعون. فالمجتمع المتراحم هو الذي يجد فيه المحتاج من يقف معه، والمدين من يعينه على قضاء دينه، وصاحب الحاجة من يسعى في تيسير شأنه، بما يعزز التكافل، ويقوي الروابط بين الناس، ويجعل كرامة الإنسان موضع عناية واهتمام.

ومن هذه الحكاية القديمة، بما تحمله من معنى إنساني عابر للزمن، ننتقل إلى واقعنا المعاصر؛ فالمعاني العظيمة لا يحدها عصر، والكرامة الإنسانية لا تتغير قيمتها بتغير الأزمنة والأمكنة. وكما رأت تلك القبيلة أن عزها لا يكتمل إذا أسر راعيها، فإن قوة المجتمع اليوم لا تكتمل إلا بقدرته على احتواء أضعف أفراده، والوقوف مع أصحاب الحاجة، وحفظ حقوقهم، ومد يد العون إليهم قبل أن تضيق بهم السبل.

فالعدالة ليست نصوصا تكتب فحسب، ولا أنظمة تسن بمعزل عن أثرها في حياة الناس، وإنما قيمتها الحقيقية فيما يلمسه الإنسان من أثرها؛ وحفظ الحقوق لا يكتمل إلا حين يجد الضعيف من ينصفه، والمحتاج من يعينه، والمدين من يسهم في قضاء دينه، وصاحب الحاجة من يقف معه حتى تقضى حاجته. وهنا تحديدا تتجلى قيمة التكافل الحقيقي؛ حين يشعر الإنسان أن مجتمعه يراه، ويسمعه، ويعينه، ويحفظ له مكانته وكرامته.

وإذا كان ذلك هو ميزان المجتمعات المتماسكة، فإن من أبهى صور هذا المعنى في واقعنا السعودي ما تقوم به الدولة من عناية بالإنسان، وحفظٍ لمكانته، وفتحٍ للأبواب أمامه، مواطنا كان أو مقيما. ولعل من أوضح الشواهد على هذا النهج ما نشاهده باستمرار من استقبال أمراء المناطق ونوابهم للمواطنين والمقيمين على حد سواء، والاستماع إلى مطالبهم وقضاياهم واحتياجاتهم، في صورة تعكس قرب القيادة والمسؤول من الناس، وتؤكد أن خدمة الإنسان وتلمس حاجاته تقعان في صميم المسؤولية.

ولست هنا أتحدث عن مشاهد سمعت عنها أو قرأت عنها فحسب، وإنما عن واقع أنا شاهد عيان عليه ومطلع على جانب منه في منطقة الباحة؛ من خلال ما أشاهده من استقبال صاحب السمو الملكي الأمير حسام بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة الباحة، وصاحب السمو الأمير فهد بن سعد بن عبدالله بن تركي آل سعود، نائب أمير منطقة الباحة - حفظهما الله - للمواطنين، والاستماع إليهم، والاهتمام بمطالبهم واحتياجاتهم. وهي مشاهد أراها تجسد هذا النهج الكريم واقعا وممارسة، وتؤكد أن قرب المسؤول من المواطن ليس شعارا يقال، وإنما سلوك يمارس ومسؤولية تؤدى.

وإذا كان هذا النهج حاضرا في مناطق المملكة من خلال أمرائها ونوابهم، فإنه يتجلى في أعظم صوره وأوضحها حين نراه عند قمة هرم القيادة، في لقاءات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظه الله - بأبناء شعبه.

فمجالس سموه واستقبالاته لم تقتصر على أصحاب المعالي والفضيلة، أو كبار المسؤولين، أو مشايخ القبائل ووجهاء المجتمع، بل نرى فيها أفرادا من المواطنين بمختلف فئاتهم؛ يستقبلهم، ويلتقي بهم، ويستمع إليهم، في صورة تحمل دلالة أعمق من مجرد اللقاء، وتؤكد أن المواطن، بعيدا عن منصبه أو لقبه أو مكانته الاجتماعية، هو موضع عناية واهتمام، وأن قرب القيادة من الناس نهج راسخ لا تفرضه مناسبة، ولا تحكمه مكانة اجتماعية.

ولهذا فإن هذه المشاهد لا ينبغي أن تقرأ على أنها مجرد بروتوكول أو صورة عابرة في مناسبة، بل بوصفها امتدادا لنهج في الحكم يقوم على سماع الناس، وتلمس أحوالهم، والاقتراب من احتياجاتهم، وصون كرامتهم. فحين يكون باب القيادة مفتوحا، وحين يجد المواطن أن صوته مسموع، وأن حاجته محل نظر واهتمام، فإن ذلك يبني الثقة، ويقوي التلاحم، ويرسخ في النفوس معنى الانتماء إلى وطن تكون العلاقة فيه بين القيادة والشعب قائمة على القرب والرعاية والوفاء.

ومن هنا أقول، من وجهة نظري، ومن وجهة نظر كل منصف وصادق وعادل: إنه يصعب أن نجد في عالم اليوم، باختلاف أممه ودوله وشعوبه وأعراقه، أسرة مالكة أشد قربا من شعبها، وتلمسا لحاجاته، وحرصا على كرامته، وسعيا في قضاء حوائجه، من هذه الأسرة المالكة الكريمة التي من الله على هذه البلاد بها.

وليس هذا القرب وليد اليوم، ولا هو سلوك مرتبط بمرحلة زمنية بعينها، وإنما هو امتداد تاريخي وإرث في الحكم توارثته هذه الأسرة الكريمة عبر أجيالها؛ فكان رجالها أمراء وأئمة وملوكا، وتعاقبت فيهم مسؤولية الحكم ورعاية الناس عبر تاريخ ممتد منذ أن أسس جدهم مانع المريدي الدرعية عام 850هـ، ثم تعاقب أبناؤه وأحفاده على إمارتها، وصولا إلى قيام الدولة السعودية الأولى، ثم امتداد هذا الإرث في الدول السعودية المتعاقبة، حتى المملكة العربية السعودية في حاضرها الزاهر.

ويتجلى هذا الإرث اليوم في نهج سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وفي قربه من أبناء شعبه؛ إذ يرى المواطن نفسه جزءا عزيزا من وطن يحنو عليه قادته، ويرعونه، ويحمونه، ويجعلون عزته وكرامته وطمأنينته في مقدمة مسؤولياتهم.