معرفة

السعودية والصين.. من الشراكة الاستراتيجية إلى تبادل الخبرات في الحوكمة والتنمية والإعلام

بحثت ندوة إعلامية صينية سعودية عُقدت في جدة آفاق الانتقال بالشراكة بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية إلى مجالات أوسع من التعاون، من خلال تبادل الخبرات والتجارب في الحوكمة والتنمية والإعلام، واستعراض فرص الاستفادة المتبادلة من التحولات التي يشهدها البلدان في المجالات الاقتصادية والتقنية والتنموية، إلى جانب دور الإعلام في بناء جسور أعمق للتفاهم بين الشعبين.

ونظمت القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية في جدة، بالتعاون مع اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي «يونا»، وفرع وكالة أنباء «شينخوا» في المملكة العربية السعودية، الندوة بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لطرح مبادرة الحوكمة العالمية، وبمشاركة عدد من ممثلي المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام السعودية والصينية.

وتمحورت أعمال الندوة حول كتاب «حوكمة الصين تحت قيادة شي جين بينغ»، الذي يستعرض فلسفة التنمية الصينية وممارسات الحوكمة في الصين خلال العصر الجديد، إلى جانب بحث أبرز مخرجات الاتصالات الأخيرة بين ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان والرئيس الصيني شي جين بينغ، وما تعكسه من استمرار التنسيق والتشاور بين البلدين، فضلًا عن استعراض التجارب التنموية المشتركة، وزيارة الرئيس الصيني إلى جمهورية مصر العربية، وآفاق التعاون الإعلامي والصحفي، وسبل تعزيز التواصل بين الثقافات وتبادل الخبرات.

وتأتي الندوة في سياق شراكة سعودية صينية تشهد اتساعًا وتنوعًا في مجالاتها السياسية والاقتصادية والتنموية والتقنية والإعلامية، بما يعزز فرص الانتقال من التعاون في القطاعات التقليدية إلى مساحات جديدة تقوم على تبادل المعرفة والخبرات وصناعة فرص مشتركة للتنمية والابتكار.

وحضر الندوة القنصل العام الصيني في جدة يانغ يي، ومدير عام فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة عبدالخالق بن عبدالله الزهراني، ومدير مكتب وكالة «شينخوا» في الرياض وانغ هايتشو، إلى جانب ممثلين عن اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي، وعدد من الإعلاميين وممثلي وسائل الإعلام السعودية، من بينها صحف «النهار» و«الجزيرة» و«مكة».

الحوكمة والتنمية.. تجارب مختلفة وفرص للتكامل
وأكد القنصل العام الصيني في جدة يانغ يي أن التطبيق الناجح للتحديث صيني النمط أتاح خيارًا جديدًا للتنمية أمام الدول النامية، مشيرًا إلى أن المملكة العربية السعودية تستكشف بدورها مسارًا تنمويًا يتناسب مع ظروفها الوطنية واحتياجاتها، في إطار التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة.

وأوضح أن تنامي التعاون السعودي الصيني يعكس تعمق الثقة الاستراتيجية بين البلدين، واتساع مجالات تبادل الخبرات والأفكار، بما يشمل الحوكمة الوطنية، والتحول الأخضر، والاقتصاد الرقمي، وغيرها من المجالات التي تشكل اليوم مساحات مهمة للتعاون بين البلدين.

وتبرز أهمية هذا الطرح في أن التجربة الصينية لا تُطرح بوصفها نموذجًا ينبغي نسخه، وإنما باعتبارها تجربة تنموية ثرية يمكن التعرف إلى أدواتها وممارساتها والاستفادة منها، بالتوازي مع التجربة السعودية التي تشهد تحولًا واسعًا في إطار رؤية السعودية 2030، بما يفتح المجال أمام تبادل المعرفة والحلول والخبرات، بما يتناسب مع خصوصية كل دولة وأولوياتها الوطنية.

وأشار يانغ يي إلى أن التجارب التنموية المتنوعة في البلدين توفر مادة ثرية ومتجددة أمام وسائل الإعلام، داعيًا إلى توسيع التعاون الإعلامي السعودي الصيني، باعتبار الإعلام وسيلة أساسية لمد جسور التواصل بين الشعبين، وتعزيز التقارب والتفاهم المتبادل، والتعريف بالقصص والتجارب السعودية والصينية والعربية الصينية، بما يسهم في تعزيز التواصل بين الثقافات.

«حوكمة الصين».. نافذة على تجربة تنموية
من جانبه، أوضح أشرف الحيدري، مدير العلاقات الدولية في اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي، أنه تشرف بحضور إطلاق النسخة العربية من المجلد الأول من كتاب «حوكمة الصين تحت قيادة شي جين بينغ» في العاصمة المصرية القاهرة خلال شهر مايو الماضي.

وبيّن أن الكتاب يمثل نافذة مهمة أمام الدول العربية والعالم الإسلامي للتعرف بصورة أعمق إلى فلسفة التنمية الصينية وممارسات الحوكمة في الصين خلال العصر الجديد، ويساعد القراء على فهم تجربة التحديث صيني النمط، كما يفتح المجال أمام مزيد من التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات.

وأكد الحيدري أن التعاون الإعلامي بين المملكة العربية السعودية والصين يمكن أن يشكل نموذجًا مهمًا للتعاون بين العالم الإسلامي والصين، من خلال تبادل الأخبار والمحتوى، وتنظيم البرامج المشتركة، وتطوير قدرات الإعلاميين، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الإعلامي.

من القاهرة إلى الرياض.. التنمية والحوكمة في صلب التعاون
وتناولت الندوة كذلك الدلالات التنموية والاقتصادية للزيارة الصينية إلى مصر، باعتبارها مثالًا على تطور الشراكات الصينية مع الدول العربية من التعاون التجاري والاستثماري إلى مجالات أوسع تشمل البنية التحتية، والتصنيع، والطاقة، والتقنيات الحديثة، والمناطق الاقتصادية واللوجستية.

وتبرز في هذا السياق المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باعتبارها أحد النماذج المهمة للتعاون الاقتصادي الصيني المصري، بما يجمع بين الاستثمار والتصنيع والخدمات اللوجستية والاستفادة من الموقع الاستراتيجي لمصر في حركة التجارة العالمية.

كما عكست المناقشات اتساع اهتمام الصين بالتعاون مع الدول العربية في قطاعات المستقبل، بما فيها الاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة والطاقة النظيفة، وهو ما يفتح مساحات جديدة للحوار حول توظيف التكنولوجيا والابتكار في دعم التنمية وتحسين كفاءة الخدمات وتعزيز النمو الاقتصادي.

وفي السياق السعودي، ناقش المشاركون أهمية الاستفادة المتبادلة من الخبرات الصينية والسعودية في مجالات التخطيط التنموي، وإدارة المشاريع الكبرى، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والطاقة، وتنويع الاقتصاد.

وتتقاطع هذه المجالات مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، الأمر الذي يجعل العلاقة بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية 2030 مساحة مهمة لتبادل التجارب والخبرات، وليس مجرد إطار للتعاون الاقتصادي.

الإعلام.. شريك في صناعة المعرفة
وفي محور آخر، أكد ممثلو فرع وكالة أنباء «شينخوا» أهمية تعزيز التعاون المباشر بين المؤسسات الإعلامية السعودية والصينية، من خلال تكثيف التواصل بين الإعلاميين وتبادل الزيارات والخبرات، بما يمنح الصحفيين في البلدين فرصة أكبر للتعرف عن قرب إلى المجتمعين السعودي والصيني، وفهم تجاربهما وتحولاتهما بصورة أكثر عمقًا ووضوحًا.

كما طُرحت أهمية توسيع التعاون في مجالات التدريب والتأهيل الإعلامي، بما يسهم في تطوير مهارات الصحفيين، ورفع قدرتهم على تناول القضايا المشتركة والتجارب التنموية في البلدين، والاستفادة من التطورات التقنية والذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى الإعلامي.

وأكد اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي دعمه لهذا التوجه، واستعداده لمواصلة العمل على تعزيز التعاون بين وكالات الأنباء ووسائل الإعلام السعودية والصينية، بما يسهم في بناء جسور جديدة للحوار والتواصل بين المملكة والصين والعالم الإسلامي.

من الخبر إلى القصة.. الإنسان في قلب التقارب
ولم تقتصر الندوة على قضايا الحوكمة والتعاون المؤسسي، بل امتدت إلى الجانب الإنساني في التغطية الإعلامية، من خلال تقديم عدد من الروايات والقصص الواقعية الصينية والسعودية عبر وسائل إعلام ومنصات شخصية.

وسعى هذا المحور إلى إبراز التجارب الإنسانية والمجتمعية في البلدين، والتأكيد على أن التقارب بين الشعوب لا يتحقق فقط عبر الاتفاقيات والعلاقات الرسمية، وإنما يتعزز أيضًا من خلال معرفة الناس بتجارب بعضهم، والاستماع إلى قصصهم، واكتشاف المساحات المشتركة بينهم.

كما ناقش المشاركون أهمية وسائل الإعلام الشخصية والمنصات الحديثة في رواية القصص السعودية الصينية، وقدرتها على الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، وإعادة تقديم العلاقات بين البلدين من منظور إنساني وثقافي وإعلامي أكثر قربًا من المتلقي.

تعاون إعلامي أكثر انتظامًا
واختُتمت أعمال الندوة بمناقشة سبل التمكين التقني وابتكار آليات جديدة للتعاون الإعلامي الصيني السعودي، بما يدعم بناء تعاون أكثر انتظامًا بين المؤسسات الإعلامية، ويتيح تبادل الخبرات والمحتوى، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تطوير البرامج التدريبية والزيارات المتبادلة.

وعكست الندوة، في مجمل محاورها، تطور التعاون الإعلامي السعودي الصيني من مجرد تبادل الأخبار إلى مساحة أوسع تقوم على تبادل الخبرات، وفهم التجارب التنموية، والاستفادة المتبادلة من التكنولوجيا، ورواية القصص الإنسانية، وتعزيز المعرفة بين الشعبين.

وأكد المشاركون أهمية مواصلة مثل هذه اللقاءات والفعاليات، بما يمنح الإعلام السعودي والصيني دورًا أكبر في تعزيز الفهم المتبادل، والتعريف بالتحولات التي يشهدها البلدان، والإسهام في دفع العلاقات الثنائية إلى آفاق أوسع، بما يواكب عمق الشراكة السعودية الصينية وتنوع مجالاتها، ويفتح مزيدًا من الفرص أمام تعاون مشترك يقوم على المعرفة والتنمية والابتكار.