الرأي

البلاستيك الذي أصبح داخل أجسامنا


عزيزي القارئ، في عام 2024، نشر جراحون إيطاليون دراسة نقلت قضية البلاستيك من صور المحيطات الملوثة إلى غرف عمليات القلب والشرايين. ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف الجدل حول معنى ما وجدوه.

شملت الدراسة 304 مرضى خضعوا لعملية تنظيف الشريان السباتي في جنوب إيطاليا، وهي جراحة يفتح فيها شريان الرقبة وتزال منه الترسبات الدهنية التي تعيق تدفق الدم. أكمل 257 مريضا فترة المتابعة. وبدل التخلص من الأنسجة المستأصلة، فحصها الباحثون باستخدام تقنيات دقيقة، منها التحليل الطيفي والمجهر الالكتروني.

كانت النتيجة لافتة: وجدت مادة البولي إيثيلين، وهي المادة البلاستيكية المستخدمة في الأكياس، داخل الترسبات الشريانية لدى 58% من المرضى. كما وجدت مادة البولي فينيل كلوريد، المستخدمة في الأنابيب، لدى 12% منهم. وخلال 34 شهرا من المتابعة، تعرض المرضى الذين وجدت مواد البلاستيك في شرايينهم للنوبات القلبية أو السكتات الدماغية أو الوفاة بمعدل يقارب أربعة أضعاف ونصف مقارنة بمن لم يكتشف لديهم.

هذا رقم مقلق، لكنه لا يعني أن البلاستيك أثبت أنه سبب مباشر للمرض. فالدراسة رصدية (أي بالملاحظة)، والمرضى يختلفون في عوامل صحية عديدة. كما أشار باحثون آخرون إلى احتمال تلوث العينات داخل غرفة العمليات، حيث توجد القفازات والأنابيب والعبوات البلاستيكية. ولم تستخدم الدراسة جميع إجراءات منع التلوث والعينات الضابطة اللازمة لاستبعاد هذا الاحتمال. لذلك يجب التعامل مع النتيجة بوصفها إنذارا قويا يحتاج إلى التكرار، لا حكما نهائيا.

المؤكد أن جزيئات البلاستيك الدقيقة (Micro-plastic)، وما هو أصغر منها ويسمى البلاستيك النانوي (nano-plastic)، عثر عليها في أنسجة بشرية متعددة: المشيمة، وحليب الأم، والدم، والرئة، والكبد، والأعضاء التناسلية، وحتى الدماغ. وفي دراسة نشرت عام 2025، بدا التراكم أعلى في بعض أدمغة المصابين بالخرف. لكن السؤال ما زال مفتوحا: هل تسبب الجزيئات المرض، أم أن الأنسجة المريضة تعجز عن التخلص منها؟

ولا تأتي هذه الجزيئات من عبوات الماء وحدها، رغم أنها مصدر مهم. ففي تحليل أجري عام 2024 باستخدام تقنية تصوير بالليزر، احتوى لتر الماء المعبأ في المتوسط على نحو ربع مليون جسيم، وكان قرابة 90% منها من الجسيمات النانوية القادرة على عبور بعض الحواجز الحيوية. أما المصادر الأكبر عالميا فتشمل تآكل إطارات السيارات، والألياف الصناعية التي تتساقط من الملابس أثناء الغسيل، وتفتت العبوات في النفايات والبحر، ثم عودتها إلينا عبر الهواء والغبار والطعام.

كيف يمكن أن تؤثر في الجسم؟ هناك احتمالان رئيسيان: الأول: أن الجسيمات الصغيرة والمستمرة تثير التهابا مزمنا منخفض الدرجة، وهو عنصر أساسي في تصلب الشرايين. والثاني: أن البلاستيك لا يتكون من البوليمر وحده، بل يحمل مواد مضافة مثل الملدنات ومثبطات اللهب والبيسفينولات، وبعضها معروف بتأثيره في الهرمونات. وقد يكون الجسيم نفسه مجرد وسيلة توصيل لهذه المواد.

في السعودية والخليج العربي، تزداد أهمية الموضوع بسبب الاعتماد الكبير على المياه المعبأة وارتفاع درجات الحرارة. فالعبوات قد تنقل أو تخزن في مستودعات وسيارات تتجاوز حرارتها 40 درجة مئوية، والحرارة تسرع تساقط الجزيئات وتسرب المواد المضافة. عبوة بقيت في سيارة مغلقة خلال أغسطس ليست بالضرورة مثل العبوة التي خرجت حديثا من المصنع.

أخيرا، لا داعي للذعر، توجد خطوات بسيطة ممكن أن نتبعها: لا تترك الماء المعبأ في السيارة، ولا تسخن الطعام داخل البلاستيك، ولا تغط الأطباق الساخنة بنايلون التغليف. وعندما يكون ماء الشبكة مناسبا، قد يكون استخدام مرشح منزلي أفضل من شراء العبوات باستمرار. أما الحل الحقيقي، فيبقى في القياس والرقابة والتنظيم، لا في تحميل الفرد وحده مسؤولية مشكلة صناعية واسعة.

nabilalhakamy@