الرأي

الأخلاق أولا.. القانون ثانيا


التعامل بين البشر في أصله قائم على الأخلاق؛ فهي الإطار الذي ينظم علاقة الإنسان بغيره، ويحدد ما ينبغي فعله وما ينبغي اجتنابه. ويبدأ الحد الأدنى للأخلاق بكف الأذى وعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، بينما يرتقي سقفها إلى مراتب الإحسان والعطاء والإيثار. وهكذا يمضي الناس في حياتهم متبادلين المنافع، وساعين إلى تحقيق مصالحهم، لكن ضمن إطار أخلاقي يضبط نزعة المصلحة الذاتية، ويمنعها من التحول إلى أنانية تتجاوز حقوق الآخرين. فالأخلاق، في جوهرها، رقابة ذاتية وإلزام للنفس قبل أن تكون إلزاما يفرضه الآخرون. ولو ساد الالتزام الأخلاقي بين أفراد المجتمع، لتراجع احتياج المجتمع إلى الرقابة الخارجية والتدخل السلطوي؛ لأن الإنسان حين يراقب نفسه لا يحتاج في كل تصرف إلى من يراقبه.

لكن البشر ليسوا سواء في درجة التزامهم بهذا الوازع الداخلي؛ ولذلك نشأت الحاجة إلى القانون. فحين يعجز الوازع الأخلاقي عن ضبط السلوك، يتدخل القانون ليضع حدودا ملزمة، ويمنع الاعتداء، ويحمي الحقوق، ويحافظ على النظام العام. ومن هنا يمكن النظر إلى القانون بوصفه، في جانب مهم منه، أخلاقا تحولت إلى قواعد ملزمة، وأسند تنفيذها إلى قوة السلطة العامة.

فالسلطة العامة تؤدي دورا ضروريا في حفظ الأمن وتحقيق السلم الاجتماعي، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الأخلاق؛ إذ إن القانون مهما اتسع نطاقه يظل عاجزا عن تنظيم كل تفاصيل السلوك الإنساني. وما لا تستطيع النصوص القانونية الوصول إليه، تستطيع الأخلاق أن تضبطه. ولذلك فإن المجتمع الذي يعتمد على القانون وحده يحتاج إلى قدر أكبر من الرقابة والعقوبة، بينما المجتمع الذي ترتفع فيه القيم الأخلاقية يستطيع أن يحقق قدرا أكبر من الانضباط بأقل قدر من التدخل.

ومن المهم أيضا إدراك أن الاعتداء على حقوق الآخرين لا يكون دائما نتيجة سوء نية أو رغبة متعمدة في الإضرار. فقد ينشأ الضرر أحيانا بصورة غير مقصودة من علاقات اقتصادية أو أنشطة اجتماعية مشروعة في أصلها.

فصاحب المصنع، على سبيل المثال، قد لا يقصد الإضرار بأحد، لكن العملية الإنتاجية قد تفرز ملوثات تؤثر في صحة السكان أو البيئة. وهنا يصبح تدخل الدولة ضروريا لوضع الضوابط التي تمنع الضرر، وتحمل المتسبب مسؤوليته، وتوازن بين المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. والأمر نفسه ينطبق على بعض الأنشطة ذات المنافع الاجتماعية. فقد يقدم القطاع الخاص خدمات ذات قيمة عالية، لكنه قد لا يستطيع توفيرها لجميع أفراد المجتمع بسبب ارتفاع تكلفتها أو محدودية القدرة على دفع ثمنها. ويأتي التعليم العام مثالا واضحا؛ فالتعليم لا تعود منفعته على الفرد وحده، بل تمتد آثاره إلى المجتمع بأسره، من خلال رفع الإنتاجية، وتعزيز الوعي، وتحسين جودة الحياة، وتقليل بعض تكاليف المشكلات الاجتماعية والأمنية. ومن ثم، يصبح تدخل الدولة مبررا لتحقيق منفعة اجتماعية تتجاوز حدود الفرد.

وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين الأخلاق والقانون والتنمية. فمستوى تقدم المجتمعات لا يقاس فقط بما تمتلكه من ثروة أو بنية تحتية أو تشريعات متقدمة، وإنما كذلك بمدى رسوخ القيم التي تحكم سلوك أفرادها ومؤسساتها. ويمكن تصور المجتمعات على درجات متباينة من النضج المؤسسي والأخلاقي: مجتمع لا يلتزم أفراده إلا تحت رقابة وعقوبة؛ ومجتمع يستجيب عندما تتوافر الحوافز؛ ومجتمع أكثر نضجا يلتزم أفراده بالسلوك الصحيح حتى في غياب الرقيب والحافز المباشر. ولذلك، فإن المجتمع المتقدم الذي يحتاج إلى أقل قدر من القوانين لضبط سلوك أفراده. فالقانون الجيد ضروري، والمؤسسات الفاعلة لا غنى عنها، لكنهما لا يستطيعان وحدهما بناء مجتمع متماسك. وكلما ارتفع مستوى الالتزام الأخلاقي، انخفضت الحاجة إلى الرقابة والعقوبات، وأصبحت المؤسسات أكثر كفاءة وأقل تكلفة، واتسع نطاق الثقة بين الناس.

ومن المفارقات أن نرى أحيانا من يحرص على الصلاح والالتزام بالعبادات، لكنه لا يلتزم بالقدر نفسه بالأخلاق في تعامله مع الآخرين. مع أن جوهر الرسالة الإسلامية لا يفصل بين العبادة وحسن الخلق؛ فقد قال النبي ﷺ «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». وقال ﷺ «إن من خياركم أحسنكم أخلاقا. وفي الحديث «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»؛ فجعل الدين والخلق معا معيارا للاختيار.

وهذا يؤكد أن التدين لا يكتمل بمظاهر العبادة وحدها؛ فالعبادات تبني علاقة الإنسان بربه، بينما تظهر ثمرة هذه العلاقة في تعامله مع الناس: في صدقه، وأمانته، وعدله، واحترامه للحقوق، ووفائه بالعهود، وإحسانه إلى الآخرين. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للأخلاق ليس في المواقف التي يراقبنا فيها الآخرون، وإنما في المواقف التي لا يرانا فيها أحد ولا يلزمنا فيها قانون.

وخلاصة القول، الأخلاق هي خط الدفاع الأول، والقانون خط الدفاع الثاني. الأخلاق تمنع الإنسان من الخطأ قبل وقوعه، والقانون يتدخل عندما يفشل الوازع الداخلي. وكلما ارتفع مستوى الأخلاق في المجتمع، انخفضت حاجته إلى الرقابة والعقوبة، وأصبحت الدولة أكثر قدرة على توجيه مواردها نحو التنمية بدلا من إنفاقها على معالجة آثار السلوك المنحرف. ولهذا، فإن بناء مجتمع متقدم لا يبدأ من كثرة الأنظمة، بل من بناء الإنسان الذي يحترم النظام حتى قبل أن يخشاه، ويحفظ حقوق الآخرين حتى قبل أن يطالبه القانون بذلك.

فالقانون قد يجبر الإنسان على فعل الصواب، أما الأخلاق فتجعله يختار الصواب بإرادته. ومن هنا تأتي القاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن بناء المجتمعات والمؤسسات: الأخلاق أولا.. والقانون ثانيا.