نحو أمن إقليمي جديد في الشرق الأوسط
الخميس، ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦لم تعد أحداث المنطقة تجري بالطريقة التي اعتاد العالم قراءتها خلال العقود الماضية؛ فالصراع لم يعد محصورا في حدود الدول المتنازعة، بل امتد أثره إلى الطاقة والملاحة والمنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد، وأصبح أي تصعيد في نقطة من الإقليم قادرا على إحداث آثار تتجاوز حدود الدولة التي وقع فيها ومع اتساع نطاق التهديدات، برز سؤال أمني ظل مؤجلا لسنوات هل تستطيع مظلة أمنية واحدة أن توفر الحماية الكافية لإقليم تتعدد فيه مصادر الخطر وتتغير فيه طبيعة الصراع؟
أعادت التطورات العسكرية الأخيرة طرح هذا السؤال بصورة أكثر إلحاحا؛ إذ أظهرت أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة ثبات الالتزام السياسي باستخدامها في كل ظرف، وأن أمن الدولة المرتبط بضمانات قوة خارجية يظل متأثرا بحساباتها ومصالحها وتقديرها للمخاطر. لذلك لم يعد الاتجاه الجديد قائما على البحث عن حليف بديل، بقدر ما يقوم على تقليل الاعتماد على مصدر واحد للأمن، عبر تعزيز القدرات الذاتية، وتنويع الشراكات الدفاعية، وتطوير وسائل حماية الطاقة والتجارة والممرات الحيوية.
ومن هنا يتشكل تدريجيا نمط مختلف للأمن الإقليمي؛ فبدل أن يكون مركزه قوة دولية واحدة، تتوزع أدواره بين قوى دولية وإقليمية، تتداخل فيها القدرات العسكرية والاقتصادية والتقنية والدبلوماسية. ولا يعني ذلك تراجع الدور الأمريكي إلى حد الغياب؛ فالولايات المتحدة ما زالت شريكا أمنيا رئيسيا، وإنما يعني أن دول المنطقة أصبحت أكثر حرصا على امتلاك خيارات متعددة تمنحها قدرة أكبر على مواجهة المخاطر وإدارة الأزمات.
ويتضح ذلك في اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان بوصفه أحد أبرز المؤشرات العملية على هذا التحول؛ فهو لا يقتصر على إعلان التضامن السياسي، بل يقوم على مبدأ الدفاع المشترك، ويتجه إلى بناء تعاون مؤسسي وقدرات دفاعية مشتركة. وتكمن دلالته الأهم في أن دولا إقليمية بدأت تنقل فكرة الأمن من مستوى الاعتماد على الضمان الخارجي إلى مستوى المشاركة في إنتاج الردع.
وتبرز السعودية هنا بوصفها فاعلا في تشكيل هذا الترتيب، لا مجرد دولة تتكيف معه؛ فتنويع شراكاتها الأمنية لا يعني التخلي عن علاقاتها القائمة، وإنما توسيع شبكة المصالح والقدرات التي تستند إليها حماية أمنها. وبذلك تصبح الشراكات المتعددة وسيلة لإدارة المخاطر، لا إعلانا عن انتقال من محور إلى آخر.
ومن الناحية القانونية، فإن بناء هذه الترتيبات يجد أساسه في النظام الدولي؛ فميثاق الأمم المتحدة أقر حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي، كما اعترف بدور الترتيبات الإقليمية في حفظ السلم والأمن، شريطة أن تظل ممارساتها منسجمة مع مقاصد الميثاق وقواعده. ولذلك فإن قيام ترتيبات دفاعية إقليمية لا يخرج في ذاته عن الإطار الدولي، وإنما تظل مشروعية أي استخدام للقوة مرتبطة بشروط القانون الدولي وحدوده.
لهذا، فإن السؤال الأهم ليس من سيحل محل الولايات المتحدة؟ بل هل تتجه المنطقة إلى بناء أمنها على تعدد مصادر القوة والشراكة، بحيث تبقى القوى الدولية جزءا من المعادلة دون أن تكون المعادلة كلها؟ فإذا استمر هذا الاتجاه، فقد يكون الشرق الأوسط أمام نظام أمني جديد لا يقوم على تحالف واحد، وإنما على شبكة متداخلة من القدرات والالتزامات والشراكات.
expert_55@