الرأي

املأ الفراغ


أسترجع بذاكرتي مراحل الدراسة؛ وتلك الأسئلة المقيدة التي كان يطرحها الأساتذة علينا في أوراق الامتحانات بـ«املأ الفراغ...؟»؛ وكإسقاط مجازي أجد تطابقا بين تلك التساؤلات وما نواجهه من فراغات متعددة في حياتنا تحتاج أن نملأها بالحكمة والانضباط.

سنة الله جل في علاه التي أوجدها في الحياة تحتم أن لا يبقى فراغ لمدة طويلة، قد يغيب شخص، ويأتي آخر يحل مكانه، وربما يتقلص الحوار، فتتسلل الخصومة، وتتلاشى الحقيقة، فتنبعث الأكذوبة، ويتراجع الثبات والثقة، لتتقدم الشعارات الزائفة؛ وكأن الحياة في إحدى مفارقاتها الكبرى، لا تعرف كيف تترك مكانا خاليا.

عندما قال الفيلسوف أرسطو جملته الشهيرة «الطبيعة تأبى الفراغ»؛ والتي ولدت في سياق فلسفي قديم؛ تبدو اليوم أكثر حضورا مما نتصور؛ لأن الفراغ لم يعد مجرد ظاهرة فيزيائية، بل أصبح حالة يمكن رؤيتها بوضوح في مختلف الجوانب الحياتية؛ النفسية والاجتماعية الاقتصادية والسياسية ومجمل العلاقات التبادلية.

نحن في زمن البديل المتسارع؛ الهاتف يملأ لحظات الانتظار، الأخبار تملأ ساعات اليوم، وسائل التواصل الاجتماعي لا تترك للعقل مساحة كافية كي يختلي بنفسه، حتى الصمت أصبح شيئا يحتاج الإنسان أن يهرب منه.
لكن المشكلة ليست في الفراغ ذاته، وإنما في ما نسمح له أن يسكنه.

حين يضمحل الوعي، ترتقي الخرافة، وعندما يختفي التقدير يحضر التحجيم، وأثناء ضبابية المعلومة الصحيحة، تنتشر الشائعة المغلوطة، وحين يتراجع الأمان تعم الفوضى، وتتزايد العشوائية وتتخبط القرارات، وفي كل مرة نترك فيها مساحة بلا معنى، يأتي من يملؤها بلا هدف، وربما يكون ما سيأتي أفضل مما رحل.
هنا تكمن المسؤولية الفردية والجماعية.

فالمجتمع الذي لا يملأ فراغه بالمعرفة، سيملؤه الضجيج، ورابط الزوجية إذا انحل سيحل الآخرون وثاقه، والعائلة التي لا تفتح أبوابها للنقاش، بالمقابل تشرع نوافذها للتشرذم والهروب. أما الإنسان الذي لا يمنح نفسه فرصة للتفكير، فقد يجد نفسه يعيش بمعتقدات لم يقم باختيارها أصلا.

ومع ذلك، ليس كل فراغ عدوا، هنالك فراغ صحي يمنحنا فرصة لنستجمع قوانا، ونسأل، ونراجع ما اعتدنا عليه وألفناه، ونكتشف ما نريده ونلقاه، فالعقل الذي لا يعرف العمل سيتحول لانعكاس صدى وردود لكل فعل.
لذلك، ربما لم يعد السؤال في زماننا الراهن: هل سيأتي شيء ليملأ فراغنا؟ الإجابة تكاد تكون محسومة بـ«نعم».

لكن السؤال الأعمق: من الذي سيملأ محتوى الفراغ وما هي مادته؟
ذلك هو وعينا المدرك، تجاه كل فراغ نتركه في حياتنا هو مساحة مفتوحة؛ إما أن نملأها بالرأي السديد، أو يتملكها الجاهل العنيد، وإما أن نملأها بالتقدم، أو أنها ستتقادم، وإما أن نملأها بالقيم، أو سيغطيها الوهم.

ربما كانت حكمة أرسطو أبعد من الطبيعة نفسها، فالفراغ لا ينتظر طويلا، ومن لا يختار ما يملؤه، سيجد يوما من اختار عنه.
وافهم يا فهيم.

Yos123Omar@