مدرسة الملك فيصل النموذجية... فكرة ملك صنعت أجيالا
الخميس، ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦تحتل مدرسة الملك فيصل النموذجية بمكة المكرمة مكانة بارزة في تاريخ التعليم الحديث بمكة المكرمة؛ فقد كانت منذ نشأتها تجربة تعليمية مختلفة، ارتبطت بفكرة إنشاء مدرسة نموذجية تستفيد من الأساليب التعليمية الحديثة، وتسهم في إعداد أجيال من أبناء مكة المكرمة.
واليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على تأسيسها، ما تزال المدرسة حاضرة في ذاكرة عدد كبير من أبنائها وطلابها ومعلميها، كما شهدت خلال مسيرتها تحولات عدة في مبانيها ومسمياتها ومراحلها التعليمية، وصولا إلى ثانوية الملك فيصل، التي دخلت في عام 1447هـ مرحلة جديدة من تاريخها مع تدشين مبادرة «أنسنة المدارس».
افتتحت مدرسة الملك فيصل النموذجية بمكة المكرمة في 5 ذي القعدة من عام 1392هـ، في أم الجود، وكانت عند افتتاحها تضم المرحلتين الابتدائية والمتوسطة في مبنى واحد؛ فكان القسم المتوسط في الطابق الأرضي، والقسم الابتدائي في الطابق العلوي، وكان الأستاذ زاهد إبراهيم قدسي أول مدير لها، قبل أن تستقل المرحلة المتوسطة لاحقا في مبنى منفصل.
يروي الأستاذ زاهد قدسي قصة تأسيسها في شهادة تاريخية نشرها لاحقا، تعود إلى احتفال أقيم تكريما للملك فيصل بن عبد العزيز - رحمه الله - خلال إحدى زياراته لمكة المكرمة.
فقد تحدث الملك فيصل في ذلك اللقاء مع عدد من رجالات مكة عن رغبته في أن يرى في أم القرى مدرسة نموذجية تضاهي ما كان قائما في الرياض وجدة، وتقدم نموذجا متطورا في التعليم ومرافقه. عندها بادر الشيخان صدقة وسراج كعكي، وهما من رجال الأعمال المعروفين في مكة المكرمة، إلى تبني إنشاء المشروع، وحصلا على الموافقة الكريمة للبدء فيه.
وبدأ تنفيذ المدرسة على أرض واسعة على طريق مكة-جدة، في الموقع الذي كان يعرف آنذاك باسم «أم الدود»، ثم اقترح القائمون على المشروع أن يسمى الموقع «أم الجود»، لما ستجود به هذه المدرسة لهذه الأمة من رجال المستقبل، فاعتمد الاسم، وأصبح الموقع يعرف منذ ذلك الوقت بأم الجود.
وقبل نهاية عام 1391هـ، كان مبنى المدرسة قد اكتمل، ثم قدم لوزارة المعارف هدية تخليدا لذكرى مبايعة الملك فيصل - رحمه الله -، كما قدم مبلغ مئة ألف ريال للمساهمة في تأسيس المدرسة.
وقد شكل ذلك بداية صرح تعليمي حديث حمل اسم الملك فيصل، وارتبط منذ نشأته بفكرة التعليم النموذجي في مكة المكرمة.
وفي عام 1402هـ، صدر قرار بفصل المرحلة المتوسطة عن المرحلة الابتدائية، ونقلت المرحلة المتوسطة إلى مبنى مستقل مجاور للمدرسة الابتدائية، وأصبح القسم الابتدائي منذ ذلك الوقت يعرف باسم مدرسة الملك فيصل النموذجية الابتدائية، فيما كان الأستاذ محسن حبشي من أوائل من تولوا إدارة المرحلة المتوسطة بعد استقلالها.
أما ثانوية الملك فيصل بمكة المكرمة، فقد افتتحت في العام الدراسي 1403–1404هـ، لتكون امتدادا لمسيرة مدارس الملك فيصل بمكة المكرمة، وكان الأستاذ سمير الراضي أول مدير لها، ثم خلفه الأستاذ عثمان هوساوي.
وبقي القسم الابتدائي يحمل اسم الملك فيصل حتى عام 1432هـ، حين غيرت الإدارة العامة للتربية والتعليم بمكة المكرمة مسميات عدد من المدارس بسبب تكرار الأسماء بين المراحل التعليمية المختلفة.
ومن بين تلك التغييرات تحول اسم ابتدائية الملك فيصل إلى ابتدائية هاشم بن عتبة، فيما تحولت متوسطة الملك فيصل إلى متوسطة بشر بن البراء، وبقي اسم الملك فيصل للمرحلة الثانوية. وقد نشر خبر هذه التغييرات في 10 شوال 1432هـ.
وبذلك أصبحت أسماء المراحل التعليمية الثلاث مختلفة، بينما ظل الاسم التاريخي «الملك فيصل» حاضرا في اسم المرحلة الثانوية، التي واصلت حمل إرث المدرسة النموذجية الأولى.
وفي 1 ذي الحجة 1447هـ، شهدت ثانوية الملك فيصل بمكة المكرمة مرحلة جديدة من تاريخها، بتدشين مبادرة «أنسنة المدارس»، بالشراكة بين وزارة التعليم والهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة وشركة تطوير المباني.
ويأتي المشروع بوصفه نموذجا جديدا يهدف إلى تطوير البيئة المدرسية، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز العلاقة بين المدرسة والمجتمع المحيط بها. ويشمل ذلك تحسين واجهات المدرسة بما يتلاءم مع الهوية العمرانية لمكة المكرمة، وإعادة تنظيم محيطها، وزيادة المساحات الخضراء ومسارات المشاة، إلى جانب توفير مساحات ومرافق يمكن أن يستفيد منها سكان الحي والمجتمع خارج أوقات الدوام المدرسي.
وقد عدت ثانوية الملك فيصل أول مدرسة على مستوى المملكة ينفذ فيها هذا النموذج، بما يعكس استمرار المدرسة في تبني التجارب التعليمية والتطويرية الجديدة، بعد أكثر من خمسين عاما على تأسيسها.
وهكذا تبدو مدرسة الملك فيصل اليوم امتدادا لمسيرة بدأت بفكرة مدرسة نموذجية في أم القرى، ثم مرت بمراحل متعددة من التطوير والتغيير، دون أن تفقد مكانتها.
ولمدرسة الملك فيصل مكانة خاصة في ذاكرتي؛ فقد كنت أحد طلابها منذ عام 1398هـ، ودرست في مراحلها التعليمية الثلاث: الابتدائية والمتوسطة والثانوية. ولذلك فإن علاقتي بهذه المدرسة لا تقتصر على توثيق تاريخها، وإنما تمثل أيضا شهادة طالب عاصر جانبا مهما من مسيرتها التعليمية.
تعود بي الذاكرة إلى أكثر من أربعة عقود، إلى عامي الأول في المرحلة الابتدائية؛ أتذكر حافلة المدرسة رقم (5) وسائقها العم شريف، والمشوار اليومي من بيتنا في الحجون إلى المدرسة، ثم العودة في المسار نفسه بعد انتهاء اليوم الدراسي. كانت تفاصيل يومية تبدو عادية في ذلك الوقت، لكنها أصبحت اليوم جزءا عزيزا من ذاكرة الطفولة.
وأتذكر الطابور الصباحي، ومعلمي التربية البدنية الأستاذ أمين كتبي والأستاذ يحيى، والاصطفاف في ساحة المدرسة، والزي المدرسي الذي كان يميز طلابها: بنطلون رمادي وقميص أبيض يحمل شعار المدرسة. ثم الصعود إلى الفصول على أنغام النشيد الوطني، حيث كان معلمي الأول الأستاذ محمود غندورة.
ومن الذكريات التي ما تزال حاضرة في ذهني التغذية المدرسية في الفسحة الكبيرة، إلى جانب عادة جميلة كانت المدرسة تحرص عليها، وهي التقاط صورة جماعية عند مدخل المدرسة تضم طلاب الفصل ومعلميهم في كل عام دراسي، وقد استمرت هذه العادة حتى المرحلة المتوسطة.
وخلال تلك السنوات، عاصرت عددا من مديريها الذين كان لهم حضور مؤثر في مسيرتي التعليمية؛ ففي المرحلة الابتدائية عاصرت الأستاذ زاهد إبراهيم قدسي والأستاذ محمد صالح مؤمنة، وفي المرحلة المتوسطة الأستاذ محسن حبشي، وفي المرحلة الثانوية الأستاذ عثمان هوساوي.
كما عاصرت في المرحلة الثانوية تجربة تربوية وتعليمية مميزة تمثلت في تطبيق نظام المدرسة المطورة «نظام الساعات»، الذي كان آنذاك من التجارب التعليمية الحديثة، وعكس توجه المدرسة نحو مواكبة الأساليب التربوية المتطورة.
وما زال طلاب المدرسة وخريجوها أوفياء لها، حريصين على توثيق مسيرتها والاحتفاء بمن أسهموا في بنائها. ففي عام 1444هـ صدر كتاب يوثق مسيرة المدرسة، حمل عنوان «اليوبيل الذهبي لمدرسة الملك فيصل النموذجية بمكة المكرمة»، من تأليف إلياس علي رضا.
كما يحرص خريجو المدرسة، بين حين وآخر، على إقامة لقاءات واحتفالات تجمعهم بمعلميهم وقيادات المدرسة، يتم خلالها تكريم المعلمين والإداريين من منسوبي مدرسة الملك فيصل، وفاء وتقديرا لما قدموه لأجيال الطلاب.
ومن جهود الوفاء والتوثيق أيضا ما قام به الزميل جميل عبد الرحمن هوساوي، الذي أصدر كتابا في عدة أجزاء بعنوان «شخصيات من مدارس الملك فيصل بمكة المكرمة»، صدر الجزء الأول منه عام 1443هـ، والجزء الثاني عام 1444هـ، سجل فيهما سير قرابة 145 من معلمي وطلاب المدرسة، موثقا جانبا مهما من تاريخها وذاكرة منسوبيها.
ولعل أجمل ما في توثيق تاريخ مدرسة الملك فيصل أن يلتقي التاريخ الموثق بالذاكرة الشخصية؛ فالتواريخ تحفظ مسيرتها، وذكريات من عاشوا بين جنباتها تحفظ روحها.
ومهما تغيرت مبانيها وأسماؤها ومراحلها، تبقى مدرسة الملك فيصل شاهدة على رؤية ملك، وجزءا من ذاكرة أجيال من أبناء مكة المكرمة، وشاهدا على مسيرة التعليم في المملكة.
makkawicom@