الرأي

الحيل النفسية للأخبار الكاذبة


من أكبر التحديات التي تواجه العصر الرقمي الأخبار الكاذبة، لقدرتها على الانتشار السريع وعلى «الالتصاق» في أدمغتنا حتى بعد إثبات زيفها، حيث يعتمد صانعو التضليل على فهم عميق للآليات الإدراكية والعصبية التي تحكم معالجة المعلومات في الدماغ البشري.

تستخدم الأخبار الكاذبة مجموعة من «الاختصارات الذهنية» التي تجعل الدماغ يتقبل المعلومة دون تمحيص، ومن أبرز الحيل تأثيرات الحقيقة الواهمة التي تعتمد على مبدأ التكرار، فعندما نسمع معلومة بشكل متكرر يعمل الدماغ في معالجتها بما يعرف بالسهولة الإدراكية، لأن الدماغ البشري يميل إلى الخلط بين سهولة المعالجة وصدق المعلومة؛ فكلما كانت المعلومة مألوفة زادت احتمالية تصديقنا لها حتى لو كانت تتناقض الحقائق المنطقية، ولهذا تجد الأخبار الكاذبة تعتمد في أساليبها على مبدأ المعلومات السهلة التي تبدو منطقية.

وفي عموم القصص الكاذبة نجد أن الرابط المشترك بينها إثارة مشاعر قوية مثل: الغضب الخوف والاشمئزاز، والعاطفة في الأخبار الكاذبة تجعل الخبر يعلق في الذهن مما يصعب من اقتلاعه بالمنطق البارد، وحسب الدراسات العصبية، فإن المعلومات المرتبطة بالعواطف تنشط «اللوزة الدماغية» مما يعزز تثبيت المعلومة في الذاكرة طويلة الأمد.

كذلك من الحيل التي تستهدف المتلقي البساطة، لأن الأخبار الكاذبة لا تستهدف ذكاءنا وإنما تستهدف نقاط الضعف في نظامنا الإدراكي الذي يفضل السرعة على الدقة. ولأن الحقائق العلمية غالبا ما تكون معقدة وتحتوي على احتمالات وافتراضات تقدم الأخبار الكاذبة روايات بسيطة ولكنها مكتملة، وعندما يقدم الخبر الكاذب تفسيرا سهلا لحدث معقد وبحسب طبيعة الدماغ البشري الذي يكره الفراغات المعرفية، فالدماغ يملأ تلك الفجوة ويصبح جزءا من «النموذج الذهني» للفرد.

وتتلاعب الأخبار الكاذبة بالعمليات الذهنية مقابل ما يفرضه المنهج العلمي؛ فالتكرار لا يغير الحقيقة ولكنه يخدع نظام التقييم التلقائي في الدماغ، وتوظفها الأخبار الكاذبة باستخدام لغة بسيطة وتكرار مستمر للادعاء، وهنا يميل الإنسان في العموم إلى تجاهل الأدلة التي تفند معتقداته، وتعمل الأخبار الكاذبة إلى تقديم معلومات تتماشى مع معتقدات الجمهور في توظيف واضح للانحياز التأكيدي لدى الجمهور.

وبحكم آليات عمل الدماغ البشري، فإنه يتذكر المعلومة وينسى المصدر مع مرور الوقت، تعمل الأخبار الكاذبة للتركيز على الخبر وترك المصدر غامضا، وإظهار أرقام وهمية للمشاركات والإعجابات مستغلا العقل الجمعي الذي يميل إلى صحة الضغط الاجتماعي كوسيلة للامتثال للإقناع.

إن النقد العلمي لسلاسل الأخبار الكاذبة لا يتوقف، وفي المقابل تستمر الأخبار الكاذبة في التأثير وغالبا ما يفشل تصحيح المعلومة الكاذبة وحتى في محو آثارها تماما، والسبب طبيعة عمل الدماغ البشري، فبمجرد أن يدمج الدماغ خبرا كاذبا في الذاكرة، فإن سحب هذا الخبر يترك فجوة إذا لم يتم تقديم بديل مقنع ومكتمل، لذلك يفضل الدماغ التمسك بالخبر الكاذب بدلا من البقاء في حالة عدم يقين.

وفي بعض الحالات قد يؤدي تصحيح المعلومة بقوة إلى نتائج عكسية، حيث يشعر الفرد أن هويته أو معتقداته مهددة، مما يدفعه للتمسك بالخبر الكاذب بشكل أقوى كنوع من الدفاع النفسي، كما يتطلب التفكير النقدي وتفنيد الأكاذيب جهدا ذهنيا وفكريا، بينما تقبل الأخبار الكاذبة بسهولة، وفي حالات فوضى المعلومات والتعب يميل الدماغ للاستسلام وقبول الأخبار الكاذبة.

وهنا يقترح العلم حلولا من أبرزها التحصين النفسي، إذ تعتمد هذه الاستراتيجية على تعريض الأفراد لجرعات ضعيفة من أساليب التضليل قبل مواجهتها، مما يساعدهم على بناء أجسام مضادة فكرية، كذلك التدريب على التفكير التحليلي والتفكير النقدي، مما يجعل المتلقي أقل عرضة لتصديق الأخبار الكاذبة، وتدريب الدماغ على التوقف عن تصديق الأخبار التي يعتقد أنها كاذبة، وخاصة عندما يشعر أن المعلومة سهلة جدا أو مرضية عاطفيا أو تناقض دراسات علمية معروفة.

ختاما، الأخبار الكاذبة ضريبة العيش في عصر المعلومات، وهي ليست معلومات خاطئة أو سلسلة عشوائية من المعلومات، وإنما فيروسات إدراكية استغلت قصور التطور البشري، وفهمنا لهذه الحيل النفسية الخطوة الأولى لبناء مجتمع يتمتع باليقظة المعرفية والحصانة الرقمية حتى لا نترك الوهم يتغلغل في ثنايا الذاكرة.