ماذا حمل مدير الـCIA إلى موسكو؟ حدود التصعيد بين روسيا والناتو
الثلاثاء، ٨ سبتمبر ٢٠٢٦زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو في 25 أغسطس لم تكن حدثا عاديا، حتى لو حاولت واشنطن التقليل من طابعها الاستثنائي. فمجرد وصول مدير الـCIA إلى العاصمة الروسية في لحظة تتقاطع فيها حرب أوكرانيا مع تصاعد التوتر في أوروبا والشرق الأوسط، يجعل الزيارة رسالة سياسية وأمنية بحد ذاتها.
السؤال الأهم ليس فقط ماذا قال راتكليف في موسكو، بل لماذا احتاجت واشنطن وموسكو إلى فتح هذه القناة في هذا التوقيت؟
أحد التفسيرات المطروحة هو أن الزيارة جاءت في ظل مخاوف أمريكية وأوروبية من احتمال توسيع روسيا نطاق الضغط باتجاه دول البلطيق. لكن انتقال موسكو إلى حرب تقليدية مباشرة مع الناتو يبدو، في الظروف الحالية، خيارا بالغ الخطورة. فروسيا لم تنجح حتى الآن في إخضاع أوكرانيا، رغم سنوات الحرب وكلفتها البشرية والاقتصادية، وسيكون من الصعب تصور أن تختار طوعا فتح جبهة جديدة مع تحالف يملك قدرات عسكرية واقتصادية أكبر بكثير.
كما أن أي تحرك روسي نحو دول البلطيق لن يعني مواجهة هذه الدول منفردة.
فمنذ بداية الحرب في أوكرانيا، عزز الناتو وجوده العسكري على جناحه الشرقي، خصوصا في بولندا ودول البلطيق، مع انتشار قوات متعددة الجنسيات ووجود أمريكي مباشر. وبالتالي فإن أي عملية عسكرية واسعة قد تضع القوات الروسية في احتكاك مباشر مع قوات أمريكية وأوروبية منذ الساعات الأولى.
وهذا يجعل سيناريو الغزو المباشر أقل ترجيحا من سيناريو آخر أكثر تعقيدا وأقل كلفة.
قد لا تكون موسكو بحاجة إلى غزو أوروبا، بل إلى جعل الأوروبيين يشعرون بأن الحرب يمكن أن تصل إليهم.
هنا تدخل ما يعرف باستراتيجية «المنطقة الرمادية». تستطيع روسيا زيادة الضغط من دون عبور واضح إلى حرب شاملة، من خلال الطائرات المسيرة، والهجمات الالكترونية، والتخريب، والتشويش على أنظمة الملاحة، والعمليات الاستخباراتية، وحملات التأثير السياسي والإعلامي.
الهدف في هذه الحالة لا يكون احتلال أراض أوروبية، بل رفع الكلفة السياسية والنفسية لاستمرار دعم أوكرانيا.
وبهذا المعنى، تصبح دول أوروبا أمام معادلة أكثر صعوبة. فمساندة كييف تظل خيارا استراتيجيا، لكن موسكو تستطيع محاولة إقناع الرأي العام الأوروبي بأن هذا الدعم يحمل معه مخاطر أمنية داخلية متزايدة. وهنا يصبح الضغط الروسي موجها ليس فقط إلى الحكومات، بل أيضا إلى المجتمعات الأوروبية نفسها.
هذا النوع من التصعيد أكثر ملاءمة للمصالح الروسية من حرب مباشرة مع الناتو. فهو يسمح لموسكو باختبار ردود الفعل الغربية، وقياس حدود الصبر الأوروبي، واستغلال الخلافات بين الدول بشأن طبيعة التهديد ومستوى الرد المناسب.
من هذه الزاوية يمكن فهم زيارة راتكليف.
ربما لم تكن مهمته الأساسية التحذير من غزو روسي وشيك لدول البلطيق، بل رسم حدود أكثر وضوحا بين ما يمكن أن تتحمله واشنطن من عمليات ضغط روسية وما قد تعتبره تجاوزا يقود إلى رد عسكري أوسع.
قنوات الاستخبارات تصبح أكثر أهمية في مثل هذه اللحظات، خصوصا عندما تكون العلاقات السياسية الرسمية متوترة. فالقوى الكبرى تحتاج أحيانا إلى قنوات تستطيع من خلالها نقل رسائل مباشرة بشأن الخطوط الحمراء بعيدا عن التصريحات العلنية والحسابات الإعلامية.
وهناك أيضا بعد تفاوضي محتمل. روسيا لا تزال تسعى إلى تحسين موقعها في أي تسوية مستقبلية للحرب الأوكرانية، والضغط على أوروبا قد يكون جزءا من هذه الاستراتيجية. فإذا تمكنت موسكو من رفع مستوى القلق داخل الدول الأوروبية، فقد تراهن على تراجع الدعم لكييف أو على الأقل على ظهور خلافات أوسع داخل المعسكر الغربي.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الكرملين يريد إنهاء الحرب سريعا. فقد تكون القيادة الروسية مقتنعة بأن حرب الاستنزاف لا تزال قادرة على إنتاج مكاسب سياسية وعسكرية مع مرور الوقت.
لذلك، ربما تكون أهمية زيارة راتكليف أقل ارتباطا بصفقة سرية أو بعملية روسية وشيكة، وأكثر ارتباطا بإدارة مرحلة أصبحت فيها حرب أوكرانيا تتجاوز حدودها الجغرافية من دون أن تتحول حتى الآن إلى مواجهة مباشرة بين روسيا والناتو.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: موسكو وواشنطن لا تريدان الحرب المباشرة، لكن كلا منهما يستخدم الاقتراب منها لتحسين موقعه في الصراع القائم.
mr_alshammeri@