الرأي

بوادر إشكالات محتملة بين الذكاء الاصطناعي والمدرسين!


دخول الآلة الحاسبة كان تهديدا كبيرا لعملية حفظ جدول الضرب، فحُرّمت الآلة الحاسبة من دخول المدرسة، وأصبح دخولها على هيئة ساعة غشا صريحا، ثم ما لبثت أن أصبحت متطلبا لدخول الامتحانات، فالغاية هي المعرفة وليس كيف «تضرب وتجمع».

عندما اقتحم الذكاء الاصطناعي عالمنا، برزت مشكلة أن معظم البحوث من إنشاء الذكاء الاصطناعي، ومثلها حل الواجبات وكتابة التقارير، بل وأيضا إشكالية الإجابة عن أسئلة امتحانات «الأون لاين». هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي صار جزءا من العملية التعليمية، فقرر بعض الأساتذة إلغاء البحوث باعتبار أنها لا تعبر عن جهد الطالب أو مستواه، وأن الإجابات الجاهزة قتلت روح البحث لدى الطالب. وأن جهود الطلاب لم تعد قابلة للتمييز. وذهب بعض المعاهد والجامعات لبعض الحلول الوقتية كعقد الاختبارات في قاعات الدراسة رغم إقرارها لمبدأ الدراسة عن بعد؛ بل ذهب بعض الأساتذة إلى إعفاء الطلاب من البحوث، أو تهميش قيمتها التعليمية، بحجة أن الطالب يستنسخها من الذكاء الاصطناعي!

إذن؛ لم يعد قياس مستوى إنجاز الطالب هو كتابة بحث؛ والتي هي بمعنى قدرة الطالب على إنتاج الإجابة، لأن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على إنتاجها نيابة عنه؛ لحظتها ربما يجب أن يغير الأستاذ رؤيته نحو الطالب من طالب قادر على إنتاج الإجابة إلى طالب قادر على فهمها ونقدها. ويكون الطالب مدركا للبحث عندما يغطي محاور بحثه كافة بشكل جيد، ويعرف حدوده، ثم يقوم بنقده، ثم يدرك ما هي التحديات ويقدم الحلول. وربما عليه أن يقدم رؤيته الخاصة والمختصرة نحو أهم النقاط التي يجب أن تضاف للبحث «الجانب الإنساني». بمعنى آخر؛ أن يفهم ما يقدمه للأستاذ بدلا من أن يقدم وريقات يثبت للأستاذ اطلاعه فحسب، أي أن التقنية لا تقتل البحث بل توجه الجهد الإنساني إلى مناح أخرى أكثر أهمية وتترك للتقنية عملية الجمع والترتيب!

بل ثمة أمر مهم ربما يساعد على تجاوز إشكالية الصراع بين الأستاذ والذكاء الاصطناعي، وهو أن يشترط الأستاذ فعلا من كل طالب استخدام الذكاء الاصطناعي، والعبرة ليست بتقديم البحث أو الإجابة فحسب، بل أن يقدم بحثا صحيحا (بمعنى معلومات موثقة) وأن يفهم ما كتبه الذكاء الاصطناعي، لأنه سيقوم بمناقشته أو بالإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه بناء على بحثه، كما أن على الطالب أن يعرف أهداف البحث وأغراضه، وأن يناقش نتائجه وتأثيره، والموازنة بينها وبين نتائج أخرى متعارضة معها. هذا فضلا عن مناقشة الطالب في بحثه.

أخيرا، يمكن القول إن تسييج التقنية والتعايش معها وتوظيفها هي أفضل طريقة للتعامل معها، وإن أسلوب الرفض أو الاستسلام هو بداية حتمية لنهاية الأستاذ، ربما على الأستاذ أن يتخلى عن دور «المشرف العام» إلى دور المناقش الحقيقي لبحوث الطلاب، ولعل السؤال الأهم هنا: كيف أجبر الذكاء الاصطناعي التعليم على الانتقال من قياس قدرة الطالب على إنتاج المعلومات إلى قياس قدرته على فهمها ونقدها وتوظيفها؟

Halemalbaarrak@