الرأي

الواقع محطة... لا تجعلها وجهتك الأخيرة


في كثير من الأحيان، لا تكون معاركنا الحقيقية مع الآخرين، وإن بدا لنا ذلك، بل مع الواقع الذي يحيط بنا؛ واقع تشكل عبر سنوات طويلة، وأسهمت في صياغته منظومة متشابكة من القوانين والأعراف والتقاليد والتوقعات الاجتماعية.

فنحن لا نعيش خارج المجتمع، وإنما ننتمي إليه بوصفنا أفرادا من مكوناته.

وبمجرد انتمائنا إليه، ندخل - بوعي أو من دون وعي - في عقد اجتماعي يحدد المقبول والمرفوض، ويرسم الحدود التي يفترض أن نتحرك داخلها. ولا تقتصر أحكام هذا العقد على القوانين المكتوبة، بل تمتد إلى قوانين شفهية غير مدونة، ربما تكون أشد حضورا وتأثيرا في حياتنا.

وقد تتحول هذه الحدود، في بعض الأحيان، إلى مساحات ضيقة تخنق الطموح وتربك الاختيارات، فيشعر الإنسان بأن واقعه لا يشبهه، وأن الطريق الذي يسير فيه لا يقوده إلى المكان الذي يتمناه. عندئذ يبرز السؤال: كيف نتصالح مع واقع لا يرضينا؟ وهل يكون التصالح معه قبولا واستسلاما، أم فهما يمهد لتغييره؟
ليس المطلوب أن ننكر الواقع أو نتجمل أمام قسوته، كما ليس من الحكمة أن نتعامل معه بوصفه قدرا نهائيا لا سبيل إلى تجاوزه. فالواقع، مهما بدا ثابتا، ليس إلا صورة للحظة الراهنة؛ صورة صنعتها ظروف سابقة، ويمكن للوعي والعمل والوقت أن تعيد تشكيلها.

غير أن تغيير الواقع لا يبدأ دائما من الخارج؛ فكثيرا ما تكون البداية الحقيقية من الداخل، من اللحظة التي يعيد فيها الإنسان النظر إلى نفسه، ويسأل بصدق: ما الذي أستطيع تغييره؟ وما القدرات التي ينبغي أن أطورها؟ وما الأفكار التي اعتدت تصديقها حتى تحولت إلى قيود تحاصرني؟

تكمن المشكلة في أن بعض الناس يخلطون بين واقعهم وهويتهم. فالفقير لا يعود في نظر نفسه إنسانا يمر بضائقة مالية، بل يصبح «فقيرا» وكأن الفقر تعريفه الأخير. ومحدود الخبرة أو التعليم لا يرى قصوره مرحلة قابلة للتجاوز، بل يتعامل معه باعتباره سقفا نهائيا لإمكاناته. أما الغارق في مشكلات مالية أو اجتماعية، فقد يفقد - تحت وطأة الضغوط - قدرته على تخيل مسار آخر لحياته.

وهنا يصبح الواقع سجنا، لا لأن أبوابه مغلقة تماما، بل لأن الإنسان لم يعد يرى الأبواب.

لكن الإنصاف يقتضي ألا نحمل الفرد وحده مسؤولية كل ما يواجهه؛ فثمة ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية، وعوائق مؤسسية قد تتجاوز قدرته المباشرة على التغيير. وليست كل أزمة نتيجة تقصير شخصي، كما أن الإرادة وحدها لا تهزم جميع العقبات. ومع ذلك، تبقى للإنسان مساحة يستطيع أن يتحرك فيها، مهما كانت محدودة؛ مساحة تبدأ من قرار، أو معرفة جديدة، أو مهارة مكتسبة، أو علاقة صحية، أو شجاعة الاعتراف بأن الطريق القديم لم يعد صالحا.

إن واقعنا الحالي ليس حكما نهائيا علينا، بل محطة من محطات الحياة. قد تطول الإقامة فيها، وقد تثقلنا تفاصيلها، لكنها لا ينبغي أن تتحول في وعينا إلى الوجهة الأخيرة.

والانتقال من محطة إلى أخرى لا يحدث بالأمنيات وحدها، وإنما يبدأ - بعد توفيق الله تعالى - بسعي واع ومنظم؛ سعي لا يكتفي بالحماس المؤقت، بل يستند إلى التعلم والانضباط والصبر والمراجعة المستمرة. فالإنسان لا يولد في أفضل نسخة من ذاته، ولا يصل إليها دفعة واحدة، وإنما يبنيها عبر التجارب، ويهذبها بالأخطاء، ويوسعها بالمعرفة، ويقويها كلما نهض بعد عثرة.

لقد بدأت حكايات كثير من القادة والعلماء والمفكرين والمؤثرين من ظروف لم تكن مثالية. ولم يكن تميزهم نتيجة طريق خال من العقبات، بل ثمرة قدرتهم على ألا يجعلوا من واقعهم الأول تعريفا نهائيا لمصائرهم.

لذلك، لا تنظر إلى نفسك باعتبارك النسخة المكتملة، ولا تتعامل مع ظروفك الراهنة وكأنها خاتمة الحكاية. طور أدواتك، ووسع مداركك، وراجع اختياراتك، ولا تخش أن تبدأ مرة أخرى حين تكتشف أن الطريق لا يقودك إلى ما تريد.

ففي عالم سريع التحول، لا يكفي أن تكون قويا؛ بل ينبغي أن تكون مرنا، واعيا وقادرا على التعلم. ولا يكفي أن ترفض واقعك، بل يجب أن تمتلك المعرفة والشجاعة والعمل اللازم لصناعة واقع أفضل.

ولعل أعظم ما يستطيع الإنسان أن يفعله هو أن يدرك أن حياته لم تكتب كاملة بعد، وأن الصفحة التي يعيشها اليوم - مهما كانت قاسية - ليست نهاية الكتاب.

hananabid10@