توفير الطاقة في المنازل ليس ترفا بل ضرورة وطنية
الثلاثاء، ٨ سبتمبر ٢٠٢٦تخيل أن منزلك الذي تقضي فيه معظم وقتك يمكن أن يستهلك طاقة أقل بكثير مما يستهلكه الآن، فقط ببعض التعديلات الذكية. في المملكة العربية السعودية، حيث تصل حرارة الصيف إلى مستويات قياسية، يشكل تكييف الهواء وحده حوالي 67% من استهلاك الكهرباء في المنازل، وفقا لدراسة علمية نشرت في مجلة Energy and Buildings المتخصصة. هذا الرقم المذهل يوضح لماذا أصبحت ترقية كفاءة الطاقة في المباني أولوية وطنية، فكلما قللت المنازل من حاجتها للتبريد، قل استهلاكها للكهرباء، وقلت فواتيرها، وتضاءل أثرها البيئي.
وهنا يأتي دور كود البناء السعودي، وهو نظام وطني يضع معايير إلزامية للعزل الحراري والنوافذ والمواد المستخدمة في البناء، لضمان أن كل منزل جديد يستهلك طاقة أقل. دراسة شاملة نشرتها مجلة Energy and Buildings حللت تأثير هذا الكود على ثلاثة أنواع من المباني السكنية في المملكة، فوجدت أن تطبيق متطلبات العزل الحراري أدى إلى تحسن كبير في الأداء الطاقي للمباني، خاصة في الشقق السكنية المدمجة التي حققت أعلى معدلات توفير في الطاقة. لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على المباني الجديدة فقط، بل يشمل المباني القائمة التي بنيت دون مراعاة لكفاءة الطاقة، وهنا تبرز الحاجة إلى برامج إعادة التأهيل.
في هذا السياق، أطلقت وزارة البلديات والإسكان برنامج تقييم المباني المستدامة «برنامج البناء المستدام»، وهو نظام وطني يشجع المطورين والمقاولين على تبني ممارسات البناء الأخضر من خلال منح شهادات تعكس التزامهم بالاستدامة. تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد المشاريع المستفيدة من هذا البرنامج ارتفع بنسبة 64% في الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، كما زاد عدد المشاريع الحاصلة على شهادة الامتثال التصميمي بنسبة 140%. هذه الأرقام تعكس وعيا متزايدا بأهمية كفاءة الطاقة، وتؤكد أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق أهداف رؤية 2030 التي تهدف إلى خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحقيق الحياد الصفري للانبعاثات بحلول 2060.
لعل أجمل ما في هذه الترقيات أنها لا تقتصر على المباني الضخمة والمشاريع الكبرى، بل يمكن لكل صاحب منزل أن يبدأ بخطوات بسيطة، مثل تحسين العزل الحراري للسقف، واستبدال النوافذ بأخرى مزدوجة الزجاج، وتركيب أجهزة تكييف عالية الكفاءة. فكل هذه الإجراءات، مهما بدت صغيرة، تتراكم لتحدث فرقا كبيرا في فاتورة الكهرباء الشهرية، وتساهم في تقليل الضغط على شبكات الكهرباء الوطنية، خاصة في أيام الصيف الحارة التي تشهد ذروة الطلب على الطاقة.
وهكذا، تصبح كفاءة الطاقة ليست مجرد مفهوم هندسي، بل ثقافة يومية يمارسها كل فرد في مجتمعه، ليعيش في منزل أكثر راحة، ويوفر في ميزانيته، ويشارك في حماية بيئته في آن واحد.
HUSSAINBASSI@