الرأي

المخالفات النظامية للوسيط العقاري


شهدت البيئة العقارية في المملكة تحولا كبيرا مع اتساع حجم التعاملات وتنوع المنتجات العقارية وتعدد أطراف العلاقة بين مالك ومستأجر ومشترٍ ومستثمر. ومع هذا التوسع لم تعد الصفقة العقارية مجرد اتفاق بين طرفين، بل أصبحت عملية تتداخل فيها المعلومات والإعلانات والعقود والتمويل والتوثيق، الأمر الذي جعل الحاجة إلى وسيط عقاري مؤهل ومرخص حاجة عملية تفرضها طبيعة السوق، لا مجرد خيار إضافي.

من هنا تظهر أهمية الوسيط العقاري؛ فهو ليس مجرد شخص يعرّف المشتري بعقار أو يصل بين البائع والمشتري، وإنما يمارس نشاطا منظما يقوم على الترخيص والالتزام بالأنظمة والشفافية في التعامل. ولذلك فإن الوسيط الجيد يختصر على أطراف الصفقة كثيرا من الوقت والجهد، ويساعد على الوصول إلى المعلومة الصحيحة، ويهيئ التعامل في إطار أكثر وضوحا وأمانا. وبعبارة أخرى، كلما اتسعت مسؤولية الوسيط اتسعت معها مسؤولية النزاهة.

فنزاهة الوسيط لا تقاس فقط بعدم ارتكابه فعلا محظورا، وإنما تظهر كذلك في دقة المعلومات التي يقدمها، ووضوح الإعلان، والمحافظة على مصالح المتعاملين، والالتزام بنطاق الترخيص الممنوح له. ولذلك جاء التنظيم ليجعل ممارسة الوساطة العقارية مرتبطة بترخيص صحيح وسارٍ، حتى لا يتحول السوق إلى مساحة مفتوحة لمن يمارس النشاط دون تأهيل أو رقابة.

وعند النظر إلى مخالفات الترخيص تحديدا، نجد أن من أبرزها ممارسة الوساطة العقارية دون ترخيص ساري، أو الاستمرار في الممارسة بعد انتهاء الترخيص، أو تقديم معلومات غير صحيحة للحصول على الترخيص. وهذه المخالفات تبدو في ظاهرها إجرائية، لكنها في حقيقتها تمس الثقة في السوق؛ فالشخص الذي يباشر الوساطة بلا ترخيص يضع نفسه في موقع عمل لم يمنحه التنظيم حق شغله، ومن يستمر بعد انتهاء ترخيصه يتعامل مع الجمهور رغم زوال السند النظامي لممارسته، أما تقديم معلومات غير صحيحة للحصول على الترخيص فيضرب أساس العلاقة بين المرخص والجهة المنظمة.

ولذلك لم يترك التنظيم هذه المخالفات بلا جزاء، بل قرر لها عقوبات تتدرج بحسب نوع المخالفة وتكرارها، وقد تصل في بعض الحالات إلى الغرامة أو تعليق الترخيص أو إلغائه، فضلا عما قد يترتب على المخالفة من مسؤوليات أخرى بحسب الواقعة، وهنا تتضح فلسفة العقوبة؛ فهي لا تستهدف الوسيط لذاته، وإنما تستهدف حماية الثقة التي يقوم عليها النشاط العقاري.

أما المستفيد، فمسؤوليته لا تقل أهمية؛ إذ ينبغي له قبل التعامل أن يتحقق من ترخيص الوسيط، وأن يقرأ العقد وما يتضمنه من التزامات، وألا يكتفي بالإعلان أو الوعود الشفهية. فلو عرض شخص عقارا على عميل، وطلب منه مبلغا لإتمام الصفقة، فإن أول سؤال ينبغي أن يطرح هو: هل هذا الشخص وسيط عقاري مرخص؟ لأن التحقق المبكر قد يمنع نزاعا لاحقا. وهكذا تصبح معرفة المستفيد بحقوقه ووسيلة التحقق منها جزءا من حماية السوق، وليس مجرد إجراء شكلي.

expert_55@