إيران بين نار الخارج وصمت الداخل؟
الاثنين، ٧ سبتمبر ٢٠٢٦ما يجري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تجاوز حدود الملف النووي وتحول إلى صراع على مستقبل القوة والنظام الإقليمي نفسه. لكن التطور الأخطر خلال الأيام الأخيرة هو انتقال الخطاب الأمريكي من الضغط على الدولة الإيرانية إلى مخاطبة المجتمع الإيراني مباشرة. فقد تساءل دونالد ترامب في الأول من سبتمبر متى سينهض الشعب الإيراني ويقاتل بالتزامن مع تصعيد الضربات الأمريكية على أهداف الحرس الثوري. وهو ما يفتح للمرة الأولى بهذه الصراحة سؤالا يتجاوز تغيير سلوك النظام إلى اختبار قدرته على البقاء.
لكن المفارقة الأهم أن الإيرانيين لم ينزلوا حتى الآن إلى الشوارع في انتفاضة واسعة استجابة لنداء ترامب. وهذا التفصيل ليس دليلا على قوة النظام بقدر ما يكشف حجم معضلة الشارع الإيراني. فإيران شهدت قبل تصريحات ترامب مباشرة احتجاجات معيشية وصنفية متفرقة. وقد سجلت تقارير حقوقية عددا من التجمعات في مدن مختلفة شملت طهران وأصفهان وشيراز وسنندج وهمدان وأراك إضافة إلى احتجاجات شبابية على البطالة وسياسات التوظيف في الجنوب. ووصلت المواجهة في بعض المناطق إلى استخدام القوة ضد المحتجين. لكن هذه التحركات لم تتحول حتى كتابة هذا المقال إلى انتفاضة سياسية وطنية جديدة ضد النظام.
والأكثر دلالة هو رد الإيرانيين أنفسهم على ترامب. فآلاف الردود التي نشرت بعد سؤاله عن موعد نهوض الإيرانيين لم تقل إن الناس لا يريدون التغيير. بل كشف كثير منها عن أزمة ثقة وخوف من تكرار التجربة السابقة. والرسالة التي تكررت كانت أن الناس لن يندفعوا مجددا إلى مواجهة أجهزة الأمن ما لم يروا أن منظومة القمع أضعفت فعليا، وأن واشنطن لن تشجعهم على النزول ثم تعود إلى التفاوض مع النظام وتتركهم وحدهم.
وهنا تتضح المعركة الحقيقية. فالولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان تدمير الرادارات والصواريخ والمنشآت وإضعاف الاقتصاد. لكن إسقاط النظام يحتاج إلى انتقال هذا الضغط الخارجي إلى الداخل الإيراني. وهذا الانتقال لم يحدث بعد بالحجم الذي يمكن أن يهدد بقاء الجمهورية الإسلامية.
لذلك فإن صمت الشارع النسبي بعد دعوة ترامب قد يكون أخطر من النزول السريع إليه. الإيرانيون يراقبون ما إذا كانت واشنطن تريد فعلا تغيير قواعد اللعبة أم أنها تستخدم احتمال الانتفاضة كورقة إضافية للضغط على طهران. والنظام من جهته يدرك أن الخطر الوجودي ليس خسارة منشأة عسكرية أخرى. بل اللحظة التي يقتنع فيها ملايين الإيرانيين بأن أجهزة الأمن لم تعد قادرة على حمايته وأن الخارج هذه المرة لن يتركهم وحدهم.
وهذا يفسر لماذا لا ينبغي قراءة تصريحات ترامب باعتبارها مجرد تحريض إعلامي. إذا كان الهدف الأمريكي لا يزال الوصول إلى اتفاق فإن التلويح بالشارع الإيراني وسيلة لرفع كلفة الرفض على النظام. أما إذا تحولت الضربات إلى استهداف ممنهج لقدرة الحرس الثوري والباسيج على السيطرة الداخلية، فإننا سنكون أمام استراتيجية مختلفة تماما تجمع بين الضغط العسكري من الخارج ومحاولة فتح الطريق أمام التغيير من الداخل.
علما بأن إسرائيل لديها مصلحة واضحة في هذا التحول. فالمنشآت النووية يمكن إعادة بنائها والصواريخ يمكن إعادة تصنيعها. أما تغيير النظام السياسي الذي أنتج عقيدة المواجهة مع إسرائيل فقد يعيد تشكيل التوازن الإقليمي لعقود. ولهذا يصبح إضعاف النظام من الداخل مكسبا استراتيجيا يتجاوز نتائج أي حملة جوية.
لكن الخطر يكمن في اليوم التالي. لأن سقوط الجمهورية الإسلامية لا يعني تلقائيا بقاء إيران مستقرة. وإضعاف السلطة من دون وجود بديل قادر على إدارة الدولة قد ينقل المنطقة من خطر إيران القوية إلى خطر إيران المفككة. وهذا تحديدا ما يجعل حسابات الخليج مختلفة. فدول الخليج تريد إيران أقل تهديدا لكنها لا تريد دولة ضخمة على الضفة الأخرى تتحول إلى فراغ أمني وصراع على السلطة وترسانة عسكرية بلا مركز واضح.
لهذا فإن المؤشر الذي ينبغي مراقبته الآن ليس فقط حجم الغارات الأمريكية ولا عدد الصواريخ الإيرانية. المؤشر الحاسم هو الشارع الإيراني ثم ما يحدث داخل أجهزة الدولة نفسها. إذا بدأت احتجاجات واسعة وتزامنت معها انشقاقات داخل الحرس أو الشرطة أو مؤسسات الحكم، فإن ميزان الحرب سيتغير جذريا. أما إذا بقيت أجهزة النظام متماسكة، فإن إيران ربما تستطيع تحمل قدر كبير من الضغط الخارجي من دون أن تسقط.
وهنا تصبح دعوة ترامب اختبارا لواشنطن بقدر ما هي اختبار للإيرانيين. فبعد أن سألهم متى سينهضون ويقاتلون سيأتي السؤال المعاكس إذا نزلوا فعلا إلى الشوارع. ماذا ستفعل أمريكا عندما يبدأ النظام بقمعهم.
حتى الآن لم تبدأ الانتفاضة التي يلمح إليها ترامب. لكن أسبابها الاقتصادية والسياسية موجودة. والخوف الذي يمنع انفجارها موجود أيضا. ولذلك قد يكون مستقبل النظام الإيراني متوقفا على معادلة واحدة. من ينهار أولا. قدرة النظام على إخافة الشارع أم خوف الشارع من أن يواجه النظام وحده.
وهذا هو جوهر المرحلة الجديدة. لأن الحرب لم تعد فقط على منشآت إيران وقدراتها العسكرية. إنها تتحول تدريجيا إلى حرب على إرادة النظام وإرادة المجتمع في الوقت نفسه. وإذا التقت الضربات الخارجية يوما مع انتفاضة داخلية واسعة وانقسام في أجهزة القوة فقد لا نكون أمام جولة جديدة من الصراع الإيراني الأمريكي الإسرائيلي، بل أمام بداية النهاية للنظام الذي حكم إيران منذ عام 1979.
alatif1969@