أشياء نشتريها لأننا أغنياء
السبت، ٥ سبتمبر ٢٠٢٦
من المفترض أن الإنسان كلما أصبح أكثر ثراء ورفاهية، اشترى أشياء لم يكن يستطيع شراءها حين كان فقيرا، سيارة أجمل، ومنزلا أكبر، وساعة أغلى، ويسافر إلى أماكن أبعد. هذا ما يقوله المنطق على الأقل، لكن حياتنا الحديثة تقول شيئا أكثر طرافة: لقد أصبحنا نشتري أشياء كانت مجانية للجميع.
خذ المشي مثلا.
ظل الإنسان آلاف السنين يمشي لأنه يريد الوصول إلى مكان ما، ثم اخترع السيارة لكي يتخلص من عناء المشي، ونجح في ذلك نجاحا باهرا، حتى اكتشف أن جسده يحتاج إلى المشي، فذهب واشترك بآلاف الريالات في ناد رياضي، وصعد فوق جهاز كهربائي، وأخذ يمشي نصف ساعة كاملة دون أن يصل إلى أي مكان!
ولا يتوقف الأمر عند المشي.
كان الإنسان يعمل بيديه، يحمل ويدفع ويسحب ويصعد وينزل، ثم اخترع الآلات لكي تقوم بكل ذلك نيابة عنه. وبعد أن نجحت الآلات في إعفائه من هذا التعب، اكتشف أن عضلاته بدأت تضعف، فدفع المال لمدرب يخبره كيف يحمل قطعة حديد ثقيلة ثم يعيدها إلى مكانها عشر مرات، ويكرر العملية في اليوم التالي!
حتى الطبيعة التي قضينا عقودا طويلة نهرب منها، عدنا نشتريها.
بنينا البيوت المحكمة، وركبنا أجهزة التكييف، وعبدنا الطرق، وصنعنا المدن التي لا نحتاج فيها إلى أن تطأ أقدامنا التراب، ثم أصبح أحد أشكال الرفاهية اليوم أن تدفع مبلغا محترما لتذهب إلى مكان بعيد، تنام فيه داخل خيمة، وتمشي فوق التراب، وتشعل النار بيدك، وتأكل في الخارج، ثم تعود سعيدا لأنك عشت يومين كما كان يعيش الناس قديما مضطرين!
والطعام أيضا لم ينج من هذه المفارقة. طورنا الصناعات الغذائية لكي يصبح الطعام أسرع وألذ وأكثر تنوعا، ثم بدأنا ندفع أكثر مقابل الطعام الذي لم تفعل به المصانع شيئا. نبحث عن «العضوي» و«الطبيعي» و«الخالي من الإضافات»، وكأن الصناعة وصلت إلى قمة نجاحها حين أقنعتنا بأن ندفع مبلغا إضافيا مقابل ألا تتدخل!
أما أغرب ما أصبحنا نشتريه فهو الهدوء. كان الصمت في يوم من الأيام هو الحالة الطبيعية للحياة. ثم أحطنا أنفسنا بالشاشات والإشعارات والمكالمات والأخبار ومقاطع الفيديو، حتى أصبح الهدوء نفسه سلعة. نسافر إلى منتجع بعيد بحثا عن السكينة، ونغلق هواتفنا في «خلوة رقمية»، وقد ندفع أكثر في مكان لأنه يعدنا بأنه بعيد عن الضجيج ولا تصل إليه الشبكة جيدا.
حتى النوم، ذلك النشاط المجاني تماما، دخل السوق هو الآخر. مرتبة خاصة، ووسادة خاصة، وستائر عازلة، وساعة تراقب مراحل النوم، وتطبيق يساعدك على الاسترخاء، وأصوات أمواج ومطر... كل ذلك لكي ننجح أخيرا في فعل ما كان أجدادنا يفعلونه ببساطة: يضع الواحد منهم رأسه وينام، بغض النظر عما تحت رأسه وجسده.
المفارقة أننا قضينا قرونا نحاول تخليص الإنسان من المشقة، ثم بدأنا نكتشف أن بعض ما أزلناه مع المشقة كان ضروريا لنا: الحركة، والهدوء، والطبيعة، والبساطة، وحتى شيء من التعب.
ولذلك ربما لم يعد الترف في عصرنا أن تملك المزيد فقط، بل أن تكون قادرا على استعادة الأشياء التي أفقدك إياها امتلاك المزيد. لقد كان الإنسان قديما يتعب لكي يعيش، أما الإنسان المرفه اليوم، فقد أصبح أحيانا يدفع المال لكي يتعب.
خذ المشي مثلا.
ظل الإنسان آلاف السنين يمشي لأنه يريد الوصول إلى مكان ما، ثم اخترع السيارة لكي يتخلص من عناء المشي، ونجح في ذلك نجاحا باهرا، حتى اكتشف أن جسده يحتاج إلى المشي، فذهب واشترك بآلاف الريالات في ناد رياضي، وصعد فوق جهاز كهربائي، وأخذ يمشي نصف ساعة كاملة دون أن يصل إلى أي مكان!
ولا يتوقف الأمر عند المشي.
كان الإنسان يعمل بيديه، يحمل ويدفع ويسحب ويصعد وينزل، ثم اخترع الآلات لكي تقوم بكل ذلك نيابة عنه. وبعد أن نجحت الآلات في إعفائه من هذا التعب، اكتشف أن عضلاته بدأت تضعف، فدفع المال لمدرب يخبره كيف يحمل قطعة حديد ثقيلة ثم يعيدها إلى مكانها عشر مرات، ويكرر العملية في اليوم التالي!
حتى الطبيعة التي قضينا عقودا طويلة نهرب منها، عدنا نشتريها.
بنينا البيوت المحكمة، وركبنا أجهزة التكييف، وعبدنا الطرق، وصنعنا المدن التي لا نحتاج فيها إلى أن تطأ أقدامنا التراب، ثم أصبح أحد أشكال الرفاهية اليوم أن تدفع مبلغا محترما لتذهب إلى مكان بعيد، تنام فيه داخل خيمة، وتمشي فوق التراب، وتشعل النار بيدك، وتأكل في الخارج، ثم تعود سعيدا لأنك عشت يومين كما كان يعيش الناس قديما مضطرين!
والطعام أيضا لم ينج من هذه المفارقة. طورنا الصناعات الغذائية لكي يصبح الطعام أسرع وألذ وأكثر تنوعا، ثم بدأنا ندفع أكثر مقابل الطعام الذي لم تفعل به المصانع شيئا. نبحث عن «العضوي» و«الطبيعي» و«الخالي من الإضافات»، وكأن الصناعة وصلت إلى قمة نجاحها حين أقنعتنا بأن ندفع مبلغا إضافيا مقابل ألا تتدخل!
أما أغرب ما أصبحنا نشتريه فهو الهدوء. كان الصمت في يوم من الأيام هو الحالة الطبيعية للحياة. ثم أحطنا أنفسنا بالشاشات والإشعارات والمكالمات والأخبار ومقاطع الفيديو، حتى أصبح الهدوء نفسه سلعة. نسافر إلى منتجع بعيد بحثا عن السكينة، ونغلق هواتفنا في «خلوة رقمية»، وقد ندفع أكثر في مكان لأنه يعدنا بأنه بعيد عن الضجيج ولا تصل إليه الشبكة جيدا.
حتى النوم، ذلك النشاط المجاني تماما، دخل السوق هو الآخر. مرتبة خاصة، ووسادة خاصة، وستائر عازلة، وساعة تراقب مراحل النوم، وتطبيق يساعدك على الاسترخاء، وأصوات أمواج ومطر... كل ذلك لكي ننجح أخيرا في فعل ما كان أجدادنا يفعلونه ببساطة: يضع الواحد منهم رأسه وينام، بغض النظر عما تحت رأسه وجسده.
المفارقة أننا قضينا قرونا نحاول تخليص الإنسان من المشقة، ثم بدأنا نكتشف أن بعض ما أزلناه مع المشقة كان ضروريا لنا: الحركة، والهدوء، والطبيعة، والبساطة، وحتى شيء من التعب.
ولذلك ربما لم يعد الترف في عصرنا أن تملك المزيد فقط، بل أن تكون قادرا على استعادة الأشياء التي أفقدك إياها امتلاك المزيد. لقد كان الإنسان قديما يتعب لكي يعيش، أما الإنسان المرفه اليوم، فقد أصبح أحيانا يدفع المال لكي يتعب.