الرأي

أخطبوط الإرهاب الإيراني



هذا ديدنها منذ عشرات السنين. لعبتها خلط الأوراق. بارعة في افتعال الأزمات. شياطينها في كل مكان. تجيد فنون شراء الذمم بالدولار الأخضر. الطائفية سلاح حيوي في يدها تغوي فيه ضعفاء النفوس من المعدمين والمرتزقة العرب.

تعتقد إيران أن باستطاعتها عبر العربدة استعادة شرعية مفهوم الدولة، الذي فقدته قبل عقود مضت. تتجاهل أن السلوك الميليشاوي التصق بها وأصبح أبرز سماتها.

وانقشاع حقيقتها أنها عبارة عن نمر من ورق يؤرق الدولة العميقة التي تدير القرار وتتحكم به في طهران. أعني الحرس الثوري. أصبح النظام يخشى الانقضاض عليه من الداخل. وهذا ضمن الأسباب التي دفعته لمهاجمة سفن سعودية لا ناقة ولا جمل لها في الحرب الدائرة بينها وبين ما تسميه الشيطان الأكبر. يحاول المتشددون التغطية على الأوضاع الداخلية بتصدير المشهد للخارج.

السؤال ما إذا افترضنا أن الهجوم جائز؛ أو من باب الدفاع عن النفس وهو ليس كذلك: أليس من الأجدر حتى تصبح المواجهة تتضمن بعضا من التكافؤ - وهذا يستحيل - أن تتم مهاجمة السفن الأمريكية، التي تقلع منها المقاتلات الأمريكية ودكت معاقل النظام وهي على مرمى حجر من الحدود الإيرانية؟

سأعود لبقية الأسباب التي ذكرتها آنفا، التي أدت لاستهداف الحرس الثوري لناقلة النفط السعودية «سدر» على وجه الخصوص.

أولا: تريد إيران اختبار صبر السعودية الاستراتيجي من جديد، من خلال مهاجمة المملكة خارج أراضيها. ما المقصود؟ أنها هاجمت هدفا سعوديا خارج حدودها، لا في داخلها. وهذا له ارتباطات، بماذا؟ أتصور أن الطلعات التأديبية التي نفذها سلاح الجو السعودي ضد ميلشيات عراقية تابعة للولي الفقيه قبل أسابيع، أرعبت المتطرفين في طهران وأعادت حساباتهم، لذا حولوا بوصلة الهجوم إلى خارج الأراضي السعودية.

ثانيا: خلق حالة من القلق لشركات التأمين العالمية التي ستنظر بعين الاعتبار، لحجم المخاطر التي تتسبب بها التهديدات الإيرانية المتكررة للسفن؛ وهذه نقطة تصب في مصلحة إيران على المدى المتوسط والقريب.

ثالثا وهذا المهم: هي خطوة سعت من خلالها القيادة الإيرانية لزرع أسباب خلاف أو فرقة بين الرياض وواشنطن، كيف؟ يعتقد صاحب القرار في طهران أنه سيضع لدى السعودية المبرر لمناقشة ساكن البيت الأبيض حول عجز قواته المتواجدة في هرمز عن حماية هذا المضيق الحيوي.

وليس بعيدا عن السياق؛ أعتقد أن الإيرانيين لا يزالون يعولون على جر المملكة لمواجهة مباشرة. وهذا غير وارد، وسهل أن يتضح لمن يفهم سياستها واستراتيجيتها - أي الرياض - في التعامل مع الأزمات، القائمة على تفضيل السلم لا المواجهة.

برأيي، إن صور الإرباك في طهران باتت واضحة. فالرئيس مسعود بزشكيان ألمح قبل أيام للرغبة بإبرام اتفاق جديد مع واشنطن. بينما خرج رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف عن صمته ردا على وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت. قال: بدلا من ضخ مليارات الدولارات إلى وكيلها الإرهابي - يقصد إسرائيل -؛ وقواعدها العسكرية البالغة 750 قاعدة، كان بإمكان هذه الإمبراطورية المنهارة إنفاق تلك الأموال على شعبها. من يقرأ تدوينة قاليباف، يخال له أنه يعيش في مونتينيغرو، أو أحد المدن السويسرية الفارهة؛ وأن بلاده أنفقت أموال مقدراتها من النفط والغاز على الشعب الإيراني، لا على الميليشيات المتطرفة في المنطقة!

وبالمناسبة التضارب بين رأي رئيس الجمهورية الباحث عن التهدئة، وقاليباف المحسوب على المتشددين، يكشف عن خلافات عميقة بين ما يمكن وصفهم ممثلين للدولة؛ هذا إن تبقى شكل للدولة.

الواضح أن الرئاسة تخشى من الأوضاع الداخلية، المتجسدة بنزول الإيرانيين للشارع، مقابل أن المتشددين لن يكترثوا لذلك، وأنه من الوارد مقابلة المطالبين بحرية العيش بآلة القتل، ليعاد السيناريو الذي نفذته السلطات الإيرانية شهر ديسمبر 2025، وخلف حصيلة قتلى حسب تقارير، وصلت إلى 5 آلاف قتيل أو أكثر، بينما لم يصل عدد ضحايا الهجمات ضد العدو الإسرائيلي التقليدي، لعشر ذلك الرقم.

أستطيع القول إن الاعتداء الإيراني على الناقلة السعودية، يشبه بجبنه وحماقته قصف قاعدة موفق السلطي في الشقيقة الأردن، التي تبعد مسافة 200 كيلومتر عن مطار بنغوريون الإسرائيلي، الذي تنطلق منه طائرات التزود بالوقود لتغذية المقاتلات الأمريكية، لرمي حممها النارية على المناطق الإيرانية، ولم يجرؤ صناع الحرب في الجمهورية الإسلامية، على رميه بحجرة لا بصاروخ باليستي أو حتى طائرة مسيرة.

إن العدوان الإيراني المتكرر على مضيق هرمز، والسعي لإغلاقه، أو فرض رسوم على السفن، هما تعديان على القوانين الدولية، التي تكفل أمن الممرات المائية، الأمر الذي يتطلب موقفا عالميا صارما، يعيد الأوضاع لما كانت عليه، وإلا يعتبر ذلك ضوءا أخضر لبقية المقامرين في زوايا هذا الكون الفسيح؛ وهم كثر.

الخلاصة: إن الصمت وتجاهل الممارسات الإيرانية ووضع مقدرات المنطقة الدولية كرهينة بيد نظام لا يفهم إلا لغة النار، ستؤدي لكارثة، تؤسس لولادة كيانات، ما لم تكن نسخة منه فستشبهه في الشكل والمضمون والمنهجية المتطرفة.

بالنهاية الحل لن يتم.. إلا بقتل أخطبوط الإرهاب الإيراني.