البلد

من البحث إلى الميدان.. ملتقى أبحاث الحج يختتم أعماله بمخرجات تجمع المعرفة والتطبيق

اختتمت جامعة أم القرى، ممثلةً في معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة، أعمال الملتقى العلمي السادس والعشرين لأبحاث الحج والعمرة والزيارة، بعد يومين جمعا البحث العلمي والخبرة التشغيلية وصناعة القرار والابتكار، تحت شعار «التميز والتكامل في منظومة خدمات الحج والعمرة».
وأقيم الملتقى تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، فيما افتتح أعماله وكيل إمارة منطقة مكة المكرمة د. محمد البليهد، نيابةً عن صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن مشعل بن عبدالعزيز نائب أمير منطقة مكة المكرمة، بحضور قيادات ومسؤولين وخبراء وباحثين وممثلي الجهات المشاركة.

أرقام تعكس اتساع المشاركة
وأوضح رئيس جامعة أم القرى أ.د. معدي بن محمد آل مذهب أن البرنامج العلمي ضم 5 جلسات علمية، وأكثر من 40 ورشة عمل مهنية، إلى جانب جلسة إرشادية، و5 ورش بحثية، و50 ورقة علمية، و30 مشروعًا ابتكاريًا، و25 متحدثًا، بمشاركة أكثر من 80 جهة من مختلف القطاعات.
وعكست هذه المشاركة طبيعة منظومة الحج والعمرة متعددة الأطراف؛ حيث تتكامل الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية لتطوير الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.

بحث يتجه إلى التطبيق
وبرز توجه واضح نحو تعزيز الصلة بين البحث العلمي والتطبيق الميداني، وهو ما عبّر عنه عميد معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة د. عبدالله عبدالحميد باقاسي بقوله: «طموحنا أن نرى توصيات الدراسات والأبحاث تتحول إلى واقع ملموس».
ويستند هذا التوجه إلى رصيد علمي للمعهد تجاوز ألف دراسة وبحث، مع تركيز متزايد على جودة البحث وقياس أثره وانعكاسه على تجربة الحاج والمعتمر والزائر.
ومن النماذج المطروحة دراسة «تقييم الكفاءة التشغيلية لنظام النقل السريع بالحافلات (BRT) وأثره على تجربة ضيوف الرحمن»، التي ربطت بين كفاءة النقل وانسيابية الحركة وتقليل زمن الرحلات ورفع الاعتمادية والسلامة. كما تناولت الورش جودة مساكن الحجاج، وحوكمة الخدمات، وإدارة المخاطر، وتحويل القياس الميداني إلى إجراءات قابلة للتطبيق والمتابعة.

التكامل المؤسسي.. تجربة واحدة بأدوار متعددة
وجاءت الجلسة الرئيسة بعنوان (التكامل الاستراتيجي بين الجهات في منظومة الحج والعمرة)، لتعرض نماذج تعكس الترابط بين الخدمات الصحية والأمنية والتشغيلية والنقل والإعاشة والبنية التحتية.
وفي الجانب الصحي، استعرض مساعد وزير الصحة للخدمات الصحية د. محمد العبدالعالي تطبيقات الرعاية الاستباقية وربط البيانات الصحية للحاج رقميًا، والإنقاذ التنبؤي ومراقبة الحالات عالية الخطورة، إلى جانب إجراء أكثر من 100 محاكاة ميدانية مشتركة سنويًا بين القطاعات الصحية والأمنية والخدمية؛ لاختبار الجاهزية ورفع كفاءة الاستجابة.
كما استعرض الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي م. غازي الشهراني مشروع الإطعام الموحد، الذي وفر 34 مليون وجبة في موسم 1447هـ، مع استهداف 52 مليون وجبة في 1448هـ، إلى جانب نماذج لإدارة الحشود والتخطيط الموحد والتحكم الذكي في التدفقات.
وتؤكد هذه النماذج أن تجربة ضيف الرحمن لا تتشكل داخل حدود جهة واحدة؛ بل هي حصيلة تكامل منظومة واسعة من الخدمات والقرارات.

من القياس إلى الاستشراف.. مسار علمي متكامل
وشكلت الجلسات العلمية الأربع المتخصصة، إلى جانب الجلسة الرئيسة، مسارًا بدأ بالكفاءة التشغيلية وقياس الأداء، ثم حوكمة البيانات وتوظيف الذكاء الاصطناعي لدعم القرارات الاستباقية، ومنها إلى الشراكات الفاعلة والعمل التطوعي، وصولًا إلى الابتكار واستشراف المستقبل.
وناقشت الأوراق تطوير البنية الرقمية وتبادل المعلومات بين الجهات، وحوكمة الذكاء الاصطناعي، والشراكات المجتمعية في إدارة المخاطر، والاستفادة من بيانات الأرصاد لرفع الجاهزية، إلى جانب حلول تشمل التوأم الرقمي، وتكامل الإسكان والنقل، والبيانات الضخمة، والطائرات المسيّرة لإيصال الإمدادات الطبية.
وبذلك يمكن اختصار المسار في أربع مراحل: قياس الواقع، فهم البيانات، تكامل الجهات، ثم ابتكار المستقبل.

حجاثون 4.. حين تختبر الأفكار قابليتها للتطبيق
وشكل (حجاثون 4) أحد المسارات التطبيقية المصاحبة، وتنافست فيه الفرق على حلول لتحديات واقعية في منظومة الحج والعمرة.
وفاز فريق (كربون كاست) في مسار الهندسة والبنية التحتية، و (امتثال) في التقنية والذكاء الاصطناعي، و (طوارئ) في الرعاية الصحية، و (منصة رصد) في التوعية وإدارة الحشود، وجرى تكريم الفرق الفائزة إلى جانب الرعاة خلال حفل الافتتاح.

حين تصل المعرفة إلى الميدان
وشهد الملتقى معارض للابتكار والملصقات العلمية، وورشًا بحثية ومهنية، وتبادلًا للخبرات، كما شهد توقيع شراكة بين جامعة أم القرى ووزارة الصحة لتطوير أعمال تقديم الخدمات الاستشارية الصحية.
وتكشف مخرجات النسخة السادسة والعشرين عن ارتباط متزايد بين البحث والتشغيل والتقنية وصناعة القرار؛ فالدراسة تبدأ من تحدٍ في الميدان، ثم تتحول إلى بيانات وتحليل، فحل أو قرار أو خدمة، قبل أن تعود إلى الميدان في صورة تجربة أكثر كفاءة وأمانًا وجودة.
وبعد ستة وعشرين ملتقى علميًا ورصيد بحثي يتجاوز ألف دراسة، تتأكد قيمة هذا المسار في جمع من ينتج المعرفة، ومن يملك الخبرة، ومن يصنع القرار، ومن يحول المخرجات إلى ممارسة.
وهكذا تكتمل الرحلة: من البحث.. إلى الميدان.