لا حرب ولا سلم.. لماذا يخبو الصراع ثم يتجدد؟
الخميس، ٣ سبتمبر ٢٠٢٦
مساء الثلاثاء 1 سبتمبر رفع أهل العقبة رؤوسهم إلى سماء تضيء وتنطفئ، وعلت صفارات الإنذار في المفرق والعقبة معا. وقبلها بيومين اثنين كان شهر كامل من السكون قد انكسر بضربة أمريكية على قوات زرع ألغام في مضيق هرمز، فردت طهران لا على الأسطول بل على الجوار: صواريخ نحو مواقع عسكرية تتواجد بها قوات أمريكية في الأردن، ومسيرة أوقفتها الإمارات فوق مياهها، وبلاغات في الكويت والبحرين.
ومن يتابع هذه الحرب منذ الثامن والعشرين من فبراير يعرف أنها لا تمشي في خط، بل تنبض. هدنة بوساطة باكستانية في الثامن من أبريل، ثم حصار بحري بعد أن تعثرت محادثات إسلام آباد، ثم مذكرة تفاهم من 14 نقطة وقعت في قصر فرساي في السابع عشر من يونيو ففتحت هرمز وأنهت الحصار ولوحت بإعفاءات نفطية، ثم تهاوت في أسابيع، وانقضت مهلتها في السابع عشر من أغسطس بلا اتفاق. ثم صمت شهر. ثم كان هذا الأسبوع.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح ليس: لماذا اشتعلت الآن؟ بل: لماذا تشتعل وتخمد على هذا النحو المنتظم؟ الجواب أن على الطاولة ساعتين تدوران في اتجاهين متعاكسين.
ساعة واشنطن اقتصادية بالدرجة الأولى. فالهدف ليس احتلالا، بل تغيير داخلي بأدوات داخلية، والأداة هي الخنق المالي. وقد بلغت الأرقام مبلغا يصعب تجميله: صادرات النفط عند الصفر عمليا، وهو ما أقر به محافظ المصرف المركزي نفسه، والريال تجاوز المليونين للدولار في السوق الموازية، والمركز الإحصائي الإيراني يسجل تضخما سنويا بلغ 87.9% في يوليو، وأكثر من 128% في الغذاء وحده، حتى اضطر المركزي إلى طبع ورقة العشرة ملايين ريال. وصندوق النقد يتوقع انكماشا يقارب 6% هذا العام. والرهان كله على أن تتحول هذه الأرقام إلى قناعة في البيوت بأن هذه الإدارة نكبة، ثم تخرج القناعة إلى الشارع اعتصاما وإضرابا وجماعات مناهضة.
غير أن هذه الساعة بطيئة، ولذلك لا تنزل واشنطن الضغط العسكري عن الطاولة؛ لأن السكون الكامل يمنح طهران مهلة تعيد فيها البناء وتستعد لجولة أخرى. فالضربات المتقطعة ليست حملة، بل صيانة دورية لسقف يمنع التعافي ولا يوقظ الالتفاف حول العالم.
وساعة طهران معاكسة تماما. كل شهر تعمل فيه الأرقام ضدها، وحين تقترب من نقطة الصفر يصير افتعال الأزمة خيارا عقلانيا لا نزوة: أزمة في هرمز ترفع سعر النفط، وتعيد العدو الخارجي إلى الصدارة، وتحول الغضب من الداخل إلى الخارج. ولهذا دلالة خاصة في هتاف رصد لمتقاعدي أصفهان: عدونا هنا، ويكذبون حين يقولون إنه أمريكا. هذا الهتاف بعينه هو ما تريد الأزمة المفتعلة أن تسكته.
وقد وصفت (إيه بي سي) الحلقة بدقة: إيران تضرب الملاحة التجارية، فترد أمريكا بضربات محدودة، فترد إيران على حلفاء واشنطن الخليجيين. وهي حلقة تكرر نفسها لأن مذكرة يونيو خلت من آلية مراقبة، ومن عقوبة على الخرق، ومن تعريف لمن يملك قرار العبور في هرمز.
والعبارة الأدق قالها نائب الرئيس الإيراني الأول محمد رضا عارف حين وصف حال بلاده بأنها لا حرب ولا سلم. وهي ليست وصفا لمأزق، بل اسم لنظام قائم؛ الطرفان يجدان هذه الحالة أرخص من الحرب ومن السلم معا.
Abdullah_Yabisi@
ومن يتابع هذه الحرب منذ الثامن والعشرين من فبراير يعرف أنها لا تمشي في خط، بل تنبض. هدنة بوساطة باكستانية في الثامن من أبريل، ثم حصار بحري بعد أن تعثرت محادثات إسلام آباد، ثم مذكرة تفاهم من 14 نقطة وقعت في قصر فرساي في السابع عشر من يونيو ففتحت هرمز وأنهت الحصار ولوحت بإعفاءات نفطية، ثم تهاوت في أسابيع، وانقضت مهلتها في السابع عشر من أغسطس بلا اتفاق. ثم صمت شهر. ثم كان هذا الأسبوع.
والسؤال الذي يستحق أن يطرح ليس: لماذا اشتعلت الآن؟ بل: لماذا تشتعل وتخمد على هذا النحو المنتظم؟ الجواب أن على الطاولة ساعتين تدوران في اتجاهين متعاكسين.
ساعة واشنطن اقتصادية بالدرجة الأولى. فالهدف ليس احتلالا، بل تغيير داخلي بأدوات داخلية، والأداة هي الخنق المالي. وقد بلغت الأرقام مبلغا يصعب تجميله: صادرات النفط عند الصفر عمليا، وهو ما أقر به محافظ المصرف المركزي نفسه، والريال تجاوز المليونين للدولار في السوق الموازية، والمركز الإحصائي الإيراني يسجل تضخما سنويا بلغ 87.9% في يوليو، وأكثر من 128% في الغذاء وحده، حتى اضطر المركزي إلى طبع ورقة العشرة ملايين ريال. وصندوق النقد يتوقع انكماشا يقارب 6% هذا العام. والرهان كله على أن تتحول هذه الأرقام إلى قناعة في البيوت بأن هذه الإدارة نكبة، ثم تخرج القناعة إلى الشارع اعتصاما وإضرابا وجماعات مناهضة.
غير أن هذه الساعة بطيئة، ولذلك لا تنزل واشنطن الضغط العسكري عن الطاولة؛ لأن السكون الكامل يمنح طهران مهلة تعيد فيها البناء وتستعد لجولة أخرى. فالضربات المتقطعة ليست حملة، بل صيانة دورية لسقف يمنع التعافي ولا يوقظ الالتفاف حول العالم.
وساعة طهران معاكسة تماما. كل شهر تعمل فيه الأرقام ضدها، وحين تقترب من نقطة الصفر يصير افتعال الأزمة خيارا عقلانيا لا نزوة: أزمة في هرمز ترفع سعر النفط، وتعيد العدو الخارجي إلى الصدارة، وتحول الغضب من الداخل إلى الخارج. ولهذا دلالة خاصة في هتاف رصد لمتقاعدي أصفهان: عدونا هنا، ويكذبون حين يقولون إنه أمريكا. هذا الهتاف بعينه هو ما تريد الأزمة المفتعلة أن تسكته.
وقد وصفت (إيه بي سي) الحلقة بدقة: إيران تضرب الملاحة التجارية، فترد أمريكا بضربات محدودة، فترد إيران على حلفاء واشنطن الخليجيين. وهي حلقة تكرر نفسها لأن مذكرة يونيو خلت من آلية مراقبة، ومن عقوبة على الخرق، ومن تعريف لمن يملك قرار العبور في هرمز.
والعبارة الأدق قالها نائب الرئيس الإيراني الأول محمد رضا عارف حين وصف حال بلاده بأنها لا حرب ولا سلم. وهي ليست وصفا لمأزق، بل اسم لنظام قائم؛ الطرفان يجدان هذه الحالة أرخص من الحرب ومن السلم معا.
Abdullah_Yabisi@