كيف نحمي سهم اتفاقية مكة من الانحراف؟
الخميس، ٣ سبتمبر ٢٠٢٦قوة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان لا تكمن في لحظة توقيعها، ولا في رمزية الصور التي جمعت قادة الدول الثلاث، بل في قدرتها على التحول تدريجيا إلى بنية مؤسسية صلبة تعيد تشكيل جزء من ميزان القوى في الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
فالاتفاقية، إذا استقرت، ستكون أول إطار دفاعي عابر لمجالات الجغرافية التقليدية، يجمع دولة عربية مركزية، وقوة إقليمية أوروبية - آسيوية، وقوة نووية جنوب آسيوية، في لحظة تتغير فيها خرائط النفوذ الدولية بسرعة غير مسبوقة.
الخطوات الأولى مشجعة: إعلان مبدأ الدفاع المشترك، اعتبار الاعتداء على إحدى الدول اعتداء على الجميع، تشكيل لجنة سياسية ودفاعية استراتيجية، وإنشاء أمانة عامة مقرها المملكة العربية السعودية، مع تداول منصب الأمين العام بين الدول الثلاث.
هذه ليست تفاصيل إجرائية، بل مؤشرات على رغبة في بناء مؤسسة تتجاوز المزاج السياسي للحكومات، وتؤسس لعمل طويل الأمد.
لكن السؤال الجوهري يبقى: كيف نضمن ألا تنحرف الاتفاقية عن مسارها؟
بداية، أي تحالف دفاعي يفشل عندما يشعر أحد أطرافه بأن الآخر يحاول تحويله إلى أداة لخدمة أجندته الخاصة.
ولأن الدول الثلاث تختلف في حجمها، وقوتها العسكرية، وموقعها الجيوسياسي، فإن ضمان التوازن الداخلي ليس ترفا، بل شرط وجود.
تداول المسؤوليات، وتوزيع مراكز الثقل، واعتماد آليات تصويت واضحة، كلها أدوات تمنع نشوء «قيادة فوقية» تفسد روح الشراكة.
ولأن مصالح الدول الثلاث ليست متطابقة، فإن الاتفاقية تحتاج إلى «قاموس مشترك» يحدد ما يعد تهديدا، وما يعد أزمة، وما يعد حربا.
أي غموض في هذا القاموس سيجعل الاتفاقية عرضة للتسييس، أو للجر إلى صراعات لا علاقة لها بفكرتها الأساسية: الدفاع لا الهجوم.
التحالفات التي تبقى هي تلك التي تنتج مصالح ملموسة:
- تدريبات مشتركة منتظمة
- تبادل معلومات استخبارية
- تطوير صناعات دفاعية مشتركة
- مشاريع تكنولوجية طويلة الأمد
- رفع مستوى التوافق العملياتي بين الجيوش
والقوى الكبرى لن تقف متفرجة أمام تحالف دفاعي جديد يجمع ثلاث دول ذات وزن إقليمي.
قد تأتي الضغوط عبر ملفات اقتصادية، أو عبر تحريك أزمات إقليمية، أو استفزاز أو تجسس أو تحايل من طرف بعيد.
ولذلك فإن حماية الاتفاقية تتطلب سياسة خارجية متوازنة، تبقي خطوط التواصل مفتوحة مع الجميع، دون السماح لأي طرف خارجي بامتلاك حق تعطيل أو تبديل أسس الاتفاقية.
وأخطر ما قد يواجه الاتفاقية هو محاولة تحميلها ملفات أكبر من قدرتها، أو جرها إلى صراعات مفتوحة مع دول أخرى.
الاتفاقية ليست مشروعا لإعادة تشكيل الإقليم، بل مظلة دفاعية تمنع الحروب قبل وقوعها.
وعليه فأي توسع غير محسوب سيحولها من أداة استقرار إلى مصدر توتر.
التحالفات لا تعيش بالقوة العسكرية وحدها، بل بالواقعية، التي تبرر وجودها أمام الشعوب.
وختاما، فاتفاقية مكة تحتاج إلى خطاب سياسي وإعلامي يشرح أهدافها، ويطمئن الداخل، ويزيل مخاوف الخارج، ويظهر أنها مشروع حياة تنمو وأهداف استقرار لا مشروع صراع.
shaheralnahari@