حين يعود الشغف: بين استراحة الإجازة والعودة
الثلاثاء، ١ سبتمبر ٢٠٢٦في عام 1945، خرج الفيزيائي ريتشارد فاينمان من مشروع القنبلة الذرية منهكا ومستنزفا وقد فقد زوجته بعد مرضها. قبل منصبا في جامعة كورنيل العريقة، لكنه جلس إلى مكتبه وهو مقتنع بأنه احترق وانتهى، وأن الفيزياء التي أحبها لم تعد تعني له شيئا، حتى إنه صار يشعر بنفور منها.
خلال تلك الفترة قرر أن يتخذ منحى مختلفا للتعامل مع حالة فقدان الشغف التي يمر بها، وهو أن يكف عن مطالبة نفسه بتحقيق إنجاز عظيم أو اكتشاف مهم، وأن يمضي يوما بيومه متعاملا مع الفيزياء من منطلق المتعة كما كان يفعل صغيرا. وبعد أيام، رأى في مطعم الجامعة طالبا يقذف طبقا في الهواء، فقام بحساب حركة الطبق أثناء دورانه بلا هدف، للتسلية فحسب. لكن هذا العبث الصغير قاده خطوة بعد خطوة في روتين منضبط إلى المعادلات التي صارت أساس العمل الذي نال عليه جائزة نوبل عام 1965. لقد استعاد شغفه مرة أخرى باللعب، لا بالضغط.
قصة مثل تلك أسترجعها هذه الأيام مع انتهاء الإجازة والعودة إلى الدراسة، ولكن.. يحدث أن يعود البعض إلى مقاعدهم قبل أن يعود إليهم الحماس. وبعد إجازة اتسع فيها وقت النوم والزيارة والراحة، قد يبدو الانتقال إلى الحصص والمحاضرات والواجبات والاختبارات حادا، فيقرأ التثاقل سريعا على أنه كسل، أو ضعف طموح، أو فتور وفقدان للشغف.
وفي الواقع، ليس كل فتور بعد الإجازة يصنف كأزمة. أحيانا قد يكون مجرد كلفة طبيعية للانتقال بين إيقاعين مختلفين. فالجسد يحتاج إلى استعادة مواعيده، والعقل يحتاج إلى استعادة قدرته على التركيز الطويل، والطالب يحتاج إلى وقت كي يشعر أن بداية الدراسة امتداد طبيعي لمسيرته لا عبئا عليها.
كما لا ينبغي تصنيف أشكال الفتور المختلفة في سلة واحدة. فالاحتراق، وفق منظمة الصحة العالمية، هو ظاهرة مرتبطة بالضغوط المزمنة التي لم تدر جيدا، وتظهر في صور استنزاف الطاقة والنفور من العمل وتراجع الشعور بالكفاءة. أما انعدام التلذذ فهو التراجع في القدرة على الاستمتاع بما كان يمتع الشخص سابقا، وقد يكون أحد الأعراض الأساسية للاكتئاب. وهناك مفهوم فقد الإرادة أو المبادرة «الأبوليا» وهو متلازمة سريرية أكثر شدة تتراجع فيها القدرة على بدء الفعل، وترتبط غالبا باضطرابات دماغية مسؤولة عن الدافعية. ولهذا لا ينبغي أن نطلقه على كل طالب مل من المذاكرة، أو شخص احتاج إلى وقت أطول للتأقلم مع عودته لعمله. والخلط بين هذه الحالات وبين الفتور العابر يجعلنا نصنف الاستنزاف بالكسل، ونحاول علاج خلل حقيقي في البيئة بعبارات تحفيزية عابرة أو دورات في إدارة الوقت.
في إحصائية مثيرة للاهتمام، يكشف تقرير مؤسسة جالوب عن حالة العمل العالمي الذي نشر عام 2026، أن نسبة المنخرطين نفسيا في أعمالهم حول العالم هبطت إلى 20% خلال عام 2025، وهي الأدنى منذ عام 2020. لا يعني هذا أن الباقين فقدوا شغفهم، لكنه يقيس اتساع المسافة بين الناس وما يفعلونه كل يوم. والمسافة نفسها تظهر في قاعات الدرس والمحاضرات، لا في أماكن العمل وحدها. وهو شعور يتضخم غالبا في الفترات الانتقالية كبداية العام الدراسي.
وأيضا لا يمكن النظر إلى الشغف بصورة مجردة أنه خير مطلق! فعالم النفس روبرت فاليران يفرق بين شغف متناغم ومتوازن يترك لصاحبه مساحة للحياة والراحة، وشغف استحواذي يبتلع كل شيء فيمهد للاحتراق. فنحن أحيانا لا نفقد الشغف.. بل نستهلكه حتى آخر قطرة. وربما كان أيضا بعض ما نسميه فقدانا للشغف هو رسالة تستحق أن نصغي إليها. قد يخبرنا هذا الفتور أن قيمنا تغيرت، أو أن طريقا ناسبنا قبل سنوات لم يعد يشبه من صرنا عليه اليوم.
أما لماذا يخفت الحماس أو الشغف من الأساس؟ فقد أفاد تحليل مرجعي شمل 144 دراسة على أكثر من 79 ألف طالب نشر عام 2022، بأن الدافعية الصحية تتجلى عبر إشباع ثلاثة احتياجات نفسية: أن يشعر الطالب بمساحة من الاختيار، وبأنه قادر على الإنجاز والنمو والتقدم، وبأنه ينتمي إلى بيئة إنسانية داعمة. كما ظهر أن دعم المعلم لاستقلالية الطالب كان أقوى أثرا من دعم الوالدين في هذا المسار.
لكن ماذا عمن يريد أن يستعيد حماسه مع بداية العام؟
ربما يكمن السر في إدراك أن غياب الحماس المشتعل في الأيام الأولى ليس عارضا مقلقا ولا هزيمة. قد يكون إشارة إلى أننا بحاجة لإعادة ضبط إيقاعنا اليومي والتدرج في العودة، فالاستمرار والتأقلم يحتاجان إلى وقت فقط لا أكثر. من جهة أخرى، لا يلزم أن نحرص أن نكون في قمة شغفنا كل يوم لننجح. فهناك محاضرات نحضرها بمسؤولية، وأيام دراسية نعبرها بالانضباط، ومهام وأبحاث لا تثير الحماس لكنها تخدم معنى أكبر وتصنع مستقبلا ننشده. الانضباط هو الجسر الذي نعبر به حين يغيب الشغف.
قد لا يحتاج الطالب إلى إنجاز كل شيء في أسبوعه الأول بحماس وشغف. ربما يكفي أن يكتب في أعلى دفتره سؤالا واحدا: كيف أجعل هذا العام مختلفا؟
فالشغف لا يعود دائما كشرارة كبيرة مع أول يوم دراسي. أحيانا يعود في صورة وضوح صغير؛ خطة نتبعها، أو مشتتات نضعها جانبا، أو روتين هادئ نعترف أخيرا بأنه هو طريقنا الحقيقي للإنجاز. والغالب أن الشعور يتبع الفعل، فنتحرك أولا ثم يلحق بنا الحماس.
عاد فاينمان إلى الفيزياء حين توقف عن مطاردتها، وبدأ من حساب دوران طبق في مطعم. وهكذا يعود الشغف غالبا: من بداية صغيرة نستعيد بها لذة الفعل. أما استدعاؤه بالضغوط وجلد الذات فقلما ينجح. لذا، قبل أن نسأل مع بداية العام: كيف أستعيد شغفي فورا؟ يحسن أن نسأل أولا: ما الذي خفت في داخلي، ولماذا؟ أحيانا لا يسبق الشغف العودة؛ بل يأتي بعدها.