الرأي

في عصر »AI« والاضطرابات الجيوسياسية: هل أصبحت سرعة القرار ميزة تنافسية؟



عندما يكون مستقبل شركتك غير واضح، خصوصا في أوقات الاضطراب الاقتصادي أو السياسي أو التكنولوجي، قد يبدو الانتظار وعدم المخاطرة هو القرار الأكثر أمانا. لكن هل هو فعلا كذلك؟ ماذا لو كان عدم اتخاذ القرار هو أكبر مخاطرة؟

الحقيقة هى أن الجرأة الإدارية الفعالة لا تعني أن القائد لا يخاف أو أنه يملك كل الإجابات، وإنما تعني أن يمتلك القدرة على اتخاذ القرار رغم الخوف وعدم اليقين.

ففي عالم يتغير بفعل الذكاء الاصطناعي (AI)، والتوترات الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، والتغير المستمر في شكل التجارة والمنافسة، لم تعد المشكلة دائما في نقص المعلومات، وإنما في قدرة القيادة على اتخاذ القرار بالسرعة الكافية عندما لا تكون الصورة كاملة.

كيف تصبح قائدا أكثر جرأة؟

1 - غير القصة التي تحكيها لنفسك

عندما تواجه أزمة، يمكن أن ترى الموقف هكذا «السوق خطر، المنافسون أقوى، ولو أخذت القرار وفشل سأتحمل المسؤولية»، لكن يمكن أن تعيد صياغة الموقف «أنا أمام فرصة لصناعة تغيير حقيقي».

الفكرة هنا هي نقل التركيز من الخطر الذي ستواجهه إلى الهدف الذي تحاول تحقيقه.

2 - لا تعتمد على الشجاعة وحدها... استعد

الجرأة لا تعني أن تدخل الموقف دون استعداد. على العكس، يمكنك بناء ثقتك من خلال التدريب، والتحضير، واكتساب الأدوات التي تساعدك على التعامل مع الموقف، فالاستعداد لا يلغي الخوف، لكنه يجعلك أكثر قدرة على التحرك رغم وجوده.

وهنا تظهر أهمية الاستعداد الاستراتيجي؛ فالقائد لا يحتاج إلى التنبؤ بكل ما سيحدث، بقدر حاجته إلى بناء قدرة مؤسسية تسمح للشركة بالاستجابة عندما يتغير الواقع.

3 - لا تحاول أن تكون البطل الوحيد

القائد الجريء ليس هو الذي يقول «سوف أقرر وحدي»، بل يدرك أهمية الاستعانة بالحلفاء، وأصحاب الخبرة، وحتى الأشخاص الذين ينتقدون القرار، فالشخص الموجود داخل الموقف قد يرى الأمور من زاوية واحدة فقط، وأحيانا يكون وجود شخص يقول لك «توقف... ألا ترى أن هذا خطأ»؟ هو بالضبط ما تحتاجه لاتخاذ قرار أكثر جرأة وذكاء.

فلماذا لا يكون كل المديرين جريئين؟

الحقيقة أن كثيرا من الـCEOs ينشغلون جدا بتحقيق الأرقام الحالية، فيصبح القائد أسيرا للنتائج قصيرة المدى، ويبدأ في التفكير

«لو نفذت التغيير هذا وفشل، سيلومني الناس»، فيختار عدم اتخاذ القرار، فيخسر وقتها فرصا مستقبلية مهمة.

وهذا ما يعرف بالتحيز للوضع القائم، حيث يميل القائد إلى الإبقاء على ما هو عليه لأنه يبدو أقل مخاطرة من تجربة شيء جديد، رغم أن الاستمرار في الوضع نفسه قد تكون تكلفته أكبر على المدى الطويل.

وهنا يظهر مثال Alan Mulally، الذي تولى قيادة شركة السيارات الشهيرة» Ford» في وقت كانت فيه الشركة تخسر 18 مليار دولار في ذلك العام.

وبدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمة، اتخذ قرارا جريئا: اقترض 23.5 مليار دولار لإعادة هيكلة الشركة وتطوير منتجاتها ومصانعها.

وكانت الخطوة شديدة الجرأة لدرجة أن عائلة Ford قدمت أسهمها وشعار الشركة الشهير Blue Oval كضمان للقرض.

لكن القرار نجح، وساعد Ford على تجنب الإفلاس والعودة إلى الربحية.

الدرس هنا واضح: القائد الجريء لا يكتفي بمحاولة إبقاء الشركة على قيد الحياة. أحيانا عليه أن يخاطر لإنقاذ مستقبلها.

وهنا تحديدا يظهر الفرق بين القرار الجريء والمقامرة ؛ فالأول يقوم على تحليل المخاطر، وتحديد السيناريوهات، والاستعداد للعواقب، بينما تقوم الثانية على التحرك دون فهم كاف لما قد يحدث.

ماذا فعلت الشركات عندما أصبح المستقبل أكثر غموضا؟

في دراسة نشرها MIT Sloan Management Review، حلل الباحثون أداء نحو 6 آلاف شركة على مدار 15 عاما، ودرسوا استجابتها لأحداث كبرى رفعت مستويات عدم اليقين في قطاعات مختلفة، مثل:

- أزمات اقتصادية.

- اضطرابات جيوسياسية.

- تغيرات تكنولوجية.

- تغيرات اجتماعية.

- جائحة كورونا.

- ظهور الـmobile computing كمنصة جديدة للمستهلكين.

ثم طرحوا سؤالا مهما: ماذا فعلت الشركات عندما أصبح المستقبل أكثر غموضا؟

النتيجة كانت مفاجئة، حوالي 90% من الشركات اختارت التراجع وتقليل إنفاقها على عمليات الاستحواذ، بمتوسط انخفاض يقارب 25%. لكن حوالي 10% فقط ضاعفوا إنفاقهم على الاستحواذات.

والنتيجة؟ خلال السنوات الثلاث التالية، حققت الشركات الجريئة نموا سنويا في الإيرادات حوالي 6.9%، مقابل حوالي 3.5% للشركات الأكثر حذرا، أي أن نمو الإيرادات كان تقريبا ضعف نمو الشركات الحذرة.

فالجرأة الحقيقية ليست أن تبحث عن المخاطرة لمجرد المخاطرة، وإنما أن تكون مستعدا لمواجهة الوضع القائم، واتخاذ القرار الذي تراه ضروريا، والتحرك رغم عدم اليقين، مع الاستعداد للتعلم والتعديل وتحمل تكلفة القرار.