الرأي

لا تعش الغد مرتين



قرأت مؤخرا مقالا لصديقة عزيزة، تحدثت فيه عن علاقتنا بالمستقبل، وعن ذلك القلق الذي يجعلنا نعيش أحداثا لم تقع بعد، ونحمل هموما قد لا تصل أصلا.

أعجبني المقال، لكن صديقتي أخذتني إلى سؤال آخر ظل يراودني بعد أن انتهيت من قراءته: هل المشكلة فعلا في أننا نفكر في المستقبل؟ أم في الطريقة التي نفكر بها فيه؟

فالمستقبل ليس شيئا يمكن أن نتجاهله حتى يصل. نحن نخطط له، نستعد له، ونبني كثيرا من دور قراراتنا على احتمالاته. الطالب يستعد لاختباره، والموظف يخطط لمشروعه، والأسرة تفكر في احتياجاتها، وصاحب القرار يضع أكثر من سيناريو لما قد يحدث.

التفكير في الغد جزء من النضج. لكن هناك مسافة دقيقة بين أن نستعد للمستقبل وأن نعيش فيه قبل أوانه.

كم مرة بدأ الأمر بفكرة بسيطة «ماذا لو حدث كذا؟»

ثم تتحول الفكرة إلى احتمال، والاحتمال إلى سيناريو، والسيناريو إلى مشاعر حقيقية نعيشها وكأن الحدث وقع بالفعل.

نستيقظ على احتمال، ونمضي يومنا في توقع نتيجة، وننام ونحن نعيد في أذهاننا حوارات لم تحدث. نخاف من موقف لم نصل إليه، ونحزن على نتيجة لم نعرفها، ونستعد لخسارة لم تقع.

نحن لا نخاف المستقبل دائما كما هو، وإنما نخاف أحيانا الصورة التي صنعناها عنه، وهنا تبدأ الحكاية الأكثر تعقيدا.

العقل يحب أن يعرف ماذا سيحدث. والمجهول يربكه، لذلك يحاول أن يملأ الفراغ بالاحتمالات. نتصور كل ما يمكن أن يحدث، ونعتقد أن كثرة التفكير ستجعلنا أكثر استعدادا.

لكن كثرة التفكير لا تعني دائما كثرة الاستعداد.

أحيانا تكون مجرد محاولة طويلة للحصول على يقين لا يستطيع المستقبل أن يمنحنا إياه.

نرى ذلك في تفاصيل حياتنا اليومية.

شخص ينتظر نتيجة مقابلة عمل، فيبدأ قبل صدورها في تخيل الرفض، ثم يفكر فيما سيفعله إذا لم يقبل، ثم يقارن نفسه بغيره، وربما يصل إلى الإحباط قبل أن يعرف النتيجة أصلا.

المفارقة أننا قد نظن أننا بهذه الطريقة نهيئ أنفسنا للأسوأ، بينما نكون في الحقيقة قد عشنا أسوأ احتمال أكثر من مرة دون أن يحدث.

لهذا لا أرى أن الحل في أن نتوقف عن التفكير في المستقبل.

أرى أن الحل في أن نعيد علاقتنا به إلى حجمها الطبيعي.

نخطط عندما يكون التخطيط مطلوبا. نستعد عندما يحين وقت الاستعداد. نأخذ بالأسباب عندما تكون الأسباب بين أيدينا. ثم نترك للمستقبل الجزء الذي لا نملكه.

هذه ليست دعوة إلى العيش بلا حساب، ولا إلى تجاهل ما قد يأتي. التخطيط أحد أشكال المسؤولية، والاستعداد للمجهول يمنحنا قدرة أكبر على التعامل معه.

لكن هناك نوعا آخر من النضج: أن تعرف متى ينتهي دورك ومتى يبدأ دور الزمن.

فليس كل احتمال يستحق يوما كاملا من التفكير.

وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة قبل أن يأتي وقته.

وليس كل ما يمكن توقعه يستحق أن نقلق بشأنه.

ربما لهذا أصبحت أؤمن أن علاقتنا بالمستقبل تحتاج إلى توازن يشبه علاقتنا بالمسافة؛ نراه من بعيد، ونحسب الطريق إليه، لكننا لا ننتقل إليه قبل أن نصل.

كم من أمر أقلقنا منه طويلا، ثم جاء أبسط مما تخيلنا.. وكم من موقف كتبنا له عشرات النهايات، ثم اختار الحياة نهاية لم تخطر لنا. وكم من شيء ظنناه خسارة، فتح بعده بابا لم نكن نراه ونحن منشغلون بالخوف.

الحياة لا تسير دائما وفق السيناريو الذي نكتبه لها مسبقا، وربما هذه إحدى الطرق التي تعلمنا بها أن نترك مساحة لما لا نعرفه.

لذلك، بدل أن أسأل نفسي دائما: ماذا سيحدث غدا؟

أحاول أن أسأل سؤالا أكثر فائدة: ماذا أستطيع أن أفعل اليوم؟ هذا السؤال يعيدني إلى المساحة التي أملكها.

إذا كان هناك شيء يمكن فعله، فلأفعله.

وإذا كان هناك أمر يحتاج إلى استعداد، فاستعد.

وإذا كان خارج قدرتي، فأترك له مساحته دون أن أسمح له باحتلال المساحة كلها.

لأن المستقبل لا يحتاج منا كل هذا القلق. يحتاج منا أن نصل إليه ونحن أكثر استعدادا، لا أكثر استنزافا.

وربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه مع الوقت أن التفكير في الغد لا يعني الانتقال إليه. نخطط له، ونحلم به، ونستعد له، ثم نعود إلى يومنا. فالغد سيأتي في موعده، وسيأخذ حقه من التفكير عندما يصبح حاضرا. أما اليوم، فهو الشيء الوحيد الذي إذا مضى، لن يعود ليمنحنا فرصة أخرى.