حماية الإرادة من الخداع في العقود
الأحد، ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦تقوم العقود في أصلها على إرادة حرة واعية، ولذلك لا تكفي مجرد موافقة المتعاقد أو توقيعه حتى تكون الإرادة قد تكونت بصورة سليمة؛ فقد يوافق الشخص على العقد لأنه عرف من المعلومات ما دفعه إلى التعاقد، ثم يتبين له بعد ذلك أن هذه المعلومات لم تكن صحيحة أو أن حقيقة مؤثرة قد أخفيت عنه. ومن هنا جاءت المادة الحادية والستون من نظام المعاملات المدنية لتتناول التغرير باعتباره خداعا يؤثر في إرادة المتعاقد ويحمله على إبرام عقد لم يكن ليبرمه لولا ذلك الخداع.
وتبدأ الصورة الأولى للتغرير من الخداع المباشر، عندما يستخدم أحد المتعاقدين طرقا احتيالية تؤثر في قرار الطرف الآخر. والمقصود هنا ليس مجرد تقديم عرض جذاب أو المبالغة في وصف المزايا، وإنما أن يكون السلوك من شأنه أن يصنع لدى المتعاقد تصورا غير صحيح، ثم يدفعه هذا التصور إلى إبرام العقد. فعلى سبيل المثال، إذا عرض شخص سيارة للبيع وقدم للمشتري معلومات مصطنعة عن خلوها من الحوادث، مستندا إلى مستندات أو وسائل توحي بصحة ذلك، ثم تبين أن السيارة تعرضت لحادث جسيم، فإن المسألة لا تقف عند حدود اختلاف التقييم، وإنما تثار هنا فكرة التغرير متى كان هذا الخداع هو الذي حمل المشتري على التعاقد.
ولا يقف التغرير عند الكذب أو الخداع الإيجابي، بل قد يتحقق بالسكوت المتعمد، وهذه هي الصورة الثانية التي أكدت عليها المادة. فالسكوت في التعاملات لا يعني دائما وجود مخالفة؛ إذ ليس مطلوبا من كل متعاقد أن يكشف للطرف الآخر كل ما يعرفه. غير أن الأمر يختلف عندما يتعمد أحد المتعاقدين إخفاء أمر يعلم أنه مؤثر، مع إدراكه أن الطرف الآخر ما كان ليبرم العقد لو علم به. ومن ذلك أن يبيع شخص عقارا وهو يعلم بوجود عيب جوهري مؤثر في الانتفاع به، ثم يتعمد عدم إظهاره للمشتري مع علمه بأن اكتشاف هذا الأمر قبل التعاقد كان سيمنع المشتري من إتمام الصفقة.
والعنصر الحاسم في الحالتين هو أثر الخداع في قرار التعاقد؛ فليست كل معلومة غير صحيحة أو كل واقعة لم تذكر كافية بذاتها للقول بوجود تغرير. وإنما ينظر إلى ما إذا كان السلوك قد بلغ من التأثير حدا جعل المتعاقد يقدم على عقد لم يكن ليبرمه لو عرف الحقيقة.
وببساطة عملية لو قلنا بتطبيق المادة عن مجموعة أسئلة تساعد على تحديد المسألة القانونية: ماذا فعل المتعاقد؟ وما الذي أخفاه أو قدمه على غير حقيقته؟ وهل كان ذلك متعمدا؟ وهل كان الأمر مؤثرا في قرار الطرف الآخر؟ ثم السؤال الأهم: هل كان المتعاقد سيبرم العقد لو عرف الحقيقة؟ فإذا اتصل الخداع بقرار التعاقد اتصالا مؤثرا، انتقل الأمر من مجرد اختلاف في تفاصيل العملية التعاقدية إلى مسألة قانونية تتعلق بسلامة الإرادة ذاتها.
إذاً نقول: تحمي المادة الحادية والستون الإرادة من أن تكون نتيجة لخداع مؤثر، سواء وقع الخداع من خلال سلوك احتيالي ظاهر أو من خلال سكوت متعمد عن أمر جوهري. وعليه فإن حماية المتعاقد لا تعني إعفاءه من مسؤولية قراره، وإنما تعني ألا يبنى هذا القرار على تغرير مؤثر حرمه من معرفة حقيقة كان من شأنها أن تغير موقفه من العقد.