«الصوبة والجصة».. وسيلتان تراثيتان لحفظ التمور في القصيم
الأحد، ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦ارتبطت حياة أهالي منطقة القصيم قديما بالنخلة والتمر، بوصفهما جزءا أساسيا من غذائهم واقتصادهم، الأمر الذي دفعهم إلى استخدام الوسائل التقليدية لحفظ التمور وتخزينها بعد موسم الحصاد، بما يتيح الاستفادة منها على مدار العام.
ومن أبرز تلك الوسائل «الصوبة والجصة»، وهما أماكن مخصصة لتخزين التمور داخل المنازل القديمة، صممت بما يتناسب مع البيئة المحلية واحتياجات الأسر في ذلك الوقت، في ظل غياب وسائل التبريد والتخزين الحديثة.
وتشير بعض الرواية التراثية إلى أن «الصوبة» كانت تبنى بأبعاد تقارب مترين في مترين، وتجهز بمنفذ لإدخال التمر يغلق بإحكام بعد تعبئتها، إلى جانب منفذ سفلي لتصريف دبس التمر الناتج عن ضغط التمور أثناء التخزين.
وبعد انتهاء موسم صرام النخيل وتجهيز التمور، كان الأهالي يضعونها داخل الصوبة على دفعات حتى تمتلئ، ثم يحكم إغلاقها للمحافظة على التمر من الحشرات والشوائب والعوامل المؤثرة في جودته، وعند الحاجة يؤخذ منه المقدار اللازم للاستهلاك ثم يعاد إغلاق المنفذ.
أما «الجصة» فكانت تبنى من المواد المحلية، من الطين وألواح الصخور الملساء، وتطلى من الداخل بالجص للمساعدة على سد الفتحات والتشققات وحماية التمور، وتجهز كذلك بمنفذ سفلي لخروج الدبس.
واختلفت أشكال وطرق بناء مخازن التمور التقليدية بحسب المكان والمواد المتاحة، إلا أنها اشتركت في وظيفتها الأساسية المتمثلة في حفظ التمور لفترات طويلة، حيث تشير المصادر التراثية إلى إمكانية استمرار التخزين لنحو 3 سنوات إذا توفرت الظروف المناسبة، مع المحافظة على مذاق التمور وجودتها. ولم تقتصر أهمية هذه الوسائل على حفظ التمور، إذ كان الدبس الناتج عن عملية التخزين يمثل موردا غذائيا إضافيا؛ فعند رص التمور وضغطها داخل مكان التخزين، يتجمع الدبس في الجزء السفلي، ثم يجمع للاستفادة منه، بما يعكس حرص الأهالي على تحقيق أقصى استفادة ممكنة من محصول النخيل. وكانت «الصوبة والجصة» تنتشران في عدد من البيوت القديمة بالقصيم، وغالبا ما تكونان ضمن مرافق تخزين الأطعمة، وتمثلان جزءا من منظومة الحياة المنزلية والاقتصادية آنذاك؛ إذ وفرتا للأسر مخزونا من التمر بعد انتهاء الموسم، وقللتا الحاجة إلى شرائه خارج موسم الحصاد. وتبرز «الصوبة» الموثقة في أحد البيوت القديمة بمحافظة رياض الخبراء نموذجا لهذا النمط من التخزين، بما تحمله من تفاصيل معمارية ووظيفية تكشف جانبا من أساليب حفظ الغذاء التي اعتمد عليها الأهالي في الماضي.
وأوضح محمد المحسن في لقاء مع «واس» أن انتشار الثلاجات والمخازن الحديثة ومصانع تعبئة التمور أدى إلى تراجع الحاجة إلى الصوبات والجصاص، فيما أزيل عدد كبير منها مع اندثار البيوت القديمة وإعادة تخطيط الأحياء. وقال: تحمل الصوبة والجصة اليوم قيمة تتجاوز وظيفتهما السابقة في حفظ التمور، إذ تمثلان جانبا من الذاكرة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية لأهالي المنطقة، وتجسدان مهارة الأجداد في توظيف الموارد المحلية والتكيف مع البيئة والاستفادة من محصول النخيل، لتبقى شاهدة على مرحلة من تاريخ القصيم ارتبط فيها موسم التمور بمراحل متكاملة تبدأ بالصرام وتنتهي بالكنيز والتخزين والاستفادة من المحصول على مدار العام.