الرأي

الاقتصاد الوسيط: المستوى المفقود في التحليل الاقتصادي



يقوم التحليل الاقتصادي في قوامه على مستويين رئيسين هما الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي، الأول يهتم بدراسة الوحدات الاقتصادية المفردة، كالمستهلك والمنشأة والسوق، وتحليل سلوكها وقرارتها في ظل ندرة الموارد، أما الثاني فيتناول الاقتصاد بوصفه نظاما شاملا، من خلال دراسة متغيرات مثل الناتج المحلي الإجمالي، والتضخم، والبطالة، والنمو الاقتصادي.

غير أن هذا التقسيم الثنائي يترك مستوى فارغا يقع بين الجزئي والكلي، يتمثل في القطاعات والصناعات والمؤسسات والشبكات الاقتصادية، ولسد هذا الفراغ من المستوى بزرت فكرة الاقتصاد الوسيط الذي يقوم بوصفه مستوى تحليليا يهتم بدراسة البنى والتجمعات الاقتصادية التي تتوسط بين الوحدات الاقتصادية المفردة والاقتصاد الكلي.

فالاقتصاد الوسيط لا ينصب اهتمامه على الفرد أو المنشأة بوصفهما وحدة منفردة، ولا يتناول الاقتصاد باعتباره كيانا مجردا، وإنما يعنى بالبنى الاقتصادية المتوسطة، مثل قطاع الصناعة، وقطاع الزراعة، وقطاع التكنولوجيا، وقطاع الخدمات، وسلاسل القيمة، وشبكات الإنتاج، والتجمعات الصناعية، وهذه البنى لا تشكل مجرد مجموع حسابي للوحدات التي تتكون منها، بل تمتلك خصائص وعلاقات داخلية تؤثر في سلوك أعضائها وفي أداء الاقتصاد ككل.

وتتضح أهمية الاقتصاد الوسيط في دراسة العلاقات والتفاعلات داخل هذه البنى، وكيفية انتقال التأثيرات بين المستويات الاقتصادية المختلفة، فالقرارات الفردية قد تتتابع فتؤدي إلى تغيرات على مستوى القطاع أو الصناعة، بينما تؤثر هذه البنى بدورها في قرارات الأفراد والمنشآت، كما أن السياسات والظروف الاقتصادية الكلية قد تعيد تشكيل القطاعات وتغير طبيعة نشاطها.

ويمكن توضيح الفكرة من خلال تشبيه الاقتصاد بمدينة كبيرة؛ فإذا كان الاقتصاد الجزئي يشبه دراسة أسرة أو متجر أو شركة بعينها، وكان الاقتصاد الكلي يشبه دراسة المدينة بأكملها من حيث نشاطها الاقتصادي العام، فإن الاقتصاد الوسيط يهتم بدراسة الأحياء والمناطق التجارية والصناعية داخل المدينة، وطبيعة الأنشطة التي تتركز فيها والعلاقات التي تربط بينها، وبالمثل، يدرس الاقتصاد الوسيط القطاعات والصناعات باعتبارها تجمعات اقتصادية تتوسط بين الوحدة الاقتصادية المفردة والاقتصاد الكلي.

وتحظى هذه الفكرة بأهمية أكبر عند النظر إلى الاقتصاد باعتباره نظاما مترابطا ومتعدد المستويات؛ فالتفاعل بين الوحدات الاقتصادية قد يؤدي إلى ظهور خصائص جديدة لا يمكن تفسيرها من خلال دراسة كل وحدة على حدة. ولذلك يسهم المستوى الوسيط في تفسير التحولات الهيكلية، والتغيرات القطاعية، والتطور الاقتصادي والتكنولوجي.

وعليه، يمكن تصور مستويات التحليل الاقتصادي في صورة مترابطة:

الاقتصاد الجزئي، الاقتصاد الوسيط والاقتصاد الكلي

فالاقتصاد الجزئي يفسر سلوك الوحدات الاقتصادية، والاقتصاد الوسيط يفسر سلوك القطاعات والبنى الاقتصادية والعلاقات التي تنشأ داخلها، بينما يفسر الاقتصاد الكلي أداء الاقتصاد ككل.

وبذلك لا تمثل فكرة الاقتصاد الوسيط مجرد إضافة اصطلاحية إلى علم الاقتصاد، وإنما تقدم منظورا تحليليا يساعد على فهم العلاقة بين الفرد والبنية والاقتصاد الكلي، ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الاقتصاد الوسيط بوصفه مستوى مهما لفهم الكيفية التي تتحول بها القرارات الفردية إلى ظواهر قطاعية، وكيف تتحول هذه الظواهر بدورها إلى نتائج اقتصادية كلية.

ومن ثم، فإن الانتقال من الثنائية التقليدية بين الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الكلي إلى تصور تحليلي ثلاثي يضم الاقتصاد الجزئي والاقتصاد الوسيط والاقتصاد الكلي، يتيح مقاربة أكثر عمقا وشمولا للظاهرة الاقتصادية؛ إذ لا يقتصر التحليل على دراسة سلوك الوحدات الاقتصادية المفردة، ولا على رصد النتائج الإجمالية للاقتصاد، وإنما يمتد إلى دراسة البنى والقطاعات والعلاقات التي تتشكل في المستوى الوسيط، والتي تؤدي دورا محوريا في تفسير كيفية انتقال التأثيرات بين المستوى الجزئي والمستوى الكلي.