الخزيم والسعيد "خلف الإطار"
الأحد، ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
تشكل ملتقى فني تفاعلي جديد في الرياض قبل عدة أشهر تحت اسم "خلف الإطار" يسعى إلى تقريب الفن من المجتمع وكسر الصورة النمطية للأبراج العاجية ليلج إلى صوامع الفنانين والفنانات في اعتكافهم الفني أمام إبداعهم، يسأل ويحاور كل فنان في فكره ومبتداه، في خياله ومبتغاه، في تصوره للفن ولكينونته كفنان. تقود الفنانة التشكيلية دنيا الصالح هذا الملتقى مع فريق من المؤسسات والمؤسسين ونجح حتى الآن في الدخول إلى مراسم ثلاث فنانين تشكيليين لهم تاريخهم الفني الطويل، وتميز كل منهم في أسلوبه الفني وتكنيكه وموضوعاته، فضلا عن تبني مشروع فني اجتماعي. وهي المعايير التي بني عليها اختيار الفنانين للقيام بزيارتهم.
وقد كانت الزيارة الأولى للفنان الكبير المهندس عثمان الخزيم في منتصف شهر يونيو من هذا العام 2026، في مرسمه ومعتكفه بالملز. وصلنا في عدد محدود من المهتمات والمهتمين بالفن والاقتناء لنستمع إلى سيرته الذاتية بلسانه وبمنطوقه البليغ الذي فاجأنا حين اكتشفنا فيه شاعرا، وبفلسفته العميقة لتناول أعماله سواء ما كان حروفيات أو تأملات طبيعة أو تأمل في البشر بمنظوره الخاص أو في التراث وتراكماته. استعرضنا معه تاريخ فن يمتد لقرابة خمسة عقود بمعرضه الشخصي الأول الذي أقيم في بداية الثمانينات تحت رعاية الرائد الراحل محمد السليم. وما يميز الخزيم أنه وإن كان من مواليد الخرج لكنه عرف العالمية منذ وقت مبكر، فهو من أوائل الدفعات التي درست في إيطاليا وتخرج من أكاديمية فنونها الجميلة في فلورنسا عام 1980 مهندسا في التصميم والديكور ليرتبط اسمه بالتلفزيون السعودي وأقسام الهندسة والإنتاج وصياغة الرؤية البصرية والدرامية والإعلامية الرسمية. ولعل من أهم معارضه التي ربطت اسمه بالعالمية كان معرضه الشخصي "حروف من دون كلمات" الذي جاب مؤسستين دوليتين مهمتين، إحداهما أممية من قصر الأمم المتحدة في جنيف بالتعاون مع اليونسكو، والثانية أكاديمية دينية، جامعة الفاتيكان في الفاتيكان، حيث افتتحها البابا فرانسيس عام 2019 احتفاء بالحرف العربي الذي يخاطب الوجدان البصري مهما كانت هويته ولغته في حوار مفتوح مع الآخر.
كانت تجربتنا الأولى مع "خلف الإطار" لزيارة مرسم الفنان الخزيم مثيرة في جدتها وأصالتها. وجدنا أنفسنا وقد سمح لنا الفنان أن نغوص معه في أضابير دفاتره وألبوماته وأدراجه ورفوف كتبه، نقلب في لوحاته ما كان معلقا أو مخفيا وراء لوحات أخر أو ما كان يعمل عليه ولم تكتمل ملامحه بعد. كنا نشعر بأننا نكشف أسرارا وخفايا كلما استجاب وفتح لنا جارورا بعد آخر ونحن نقلب في محتوياته لنعثر على مخطوطات رسمات قديمة تكشف عن تقنياته العالية في الرسم والانتقال بالشكل إلى أبعاد جمالية ذات خصوصية وتحمل مفهوما في ذهن الفنان قد يدركه المتلقي وقد يعيد إنتاجه في مخيلته بدوره. وكل ما كان الفنان مبدعا كل ما وصل إبداعه بطريقة غير متوقعة.
ولعل تجربة إنهاء لوحة أمام أبصارنا كانت خاصة وتحمل شعورا فريدا بأننا في حقيقة أمرنا ونحن ملتفات وملتفون حول طاولة الألوان نشهد ولادة لوحة من الصفر، من صفحتها البيضاء إلى صفحاتها السماوية والأرضية وما بينهما. هناك من الأعمال ما يمكن إنتاجها سريعا ببعض التقنيات الخاصة، وهناك ما يستغرق أياما وربما أسابيع، وفق حدة المشاعر فيها ودقة الخطوط أو انبساطها. وفي كل الأحوال شعرنا بالامتنان لهذه اللحظة والتي بالطبع سجلناه بكل ما لدينا من وسائل توثيق وتسجيل وتصوير وكأنها لحظة تاريخية لن تتكرر، وهي كذلك، لحظة بذاتها لا ندري ما سوف يليها وينتج عنها.
أما تجربتنا الثانية فقد كانت في مرسم وبيت الفنان عبدالعزيز السعيد الذي تفاجئك قاعة مرسمه التي احتلت مكان المجلس المعتاد في المنزل وتزينت جدرانه ببورتريهات الأبيض والأسود اللامتناهية في جرأتها واختلافها وطبيعيتها وتعقيدها وبساطتها. توقف الجميع أمام لوحة بورتريه المرأة الجالسة على طاولة الطعام وطبق السمكة أمامها تمسكها من وسطها والذيل يلتف وكأنها حية والسكين على جانب الصحن. الكل يحلل نظراتها المركزة في المشاهد ما بين اشتهاء السمك والتهديد من الاقتراب. لم تكن المرأة في أحسن حالاتها ولا أجملها لكن أكثرها واقعية. أما سلسلة الجمال فهي أكثر إبداعا بصورتها وتفاصيلها المنمنماتية بحيث تشاهد مدينة كاملة يحملها الجمل على سنامه مثلا أو ما يشبه ذلك. بينما تنتشر في قاعته الداخلية اللوحات الأكبر حجما من مجموعتين رئيسيتين، التواقيع والبورتريهات التجريدية التعبيرية التي تقدم ملامح متعددة للوحات "ملامح لا تعود" أحد معارضه الشخصية. وعبدالعزيز السعيد يختلف عن بقية الفنانين في أنه عبر عن فنه على مرحلتين مبكرة ومتأخرة ويفصل ما بينهما فترة توقف وعمل وتأمل وتراكمات بصرية أثرت عند عودته للساحة الفنية التي عاد إليها بكل قوة ليقدم عددا من المعارض الشخصية وقد نضجت تجربته الفنية التي أبدع في مزج ألوانها وآلياتها ما بين الأكريليك والباستيل الزيتي ليوصل ما عمق من المشاعر بشكل أصبح بصمته الخاصة، وما بين البورتريه الأبيض والأسود والباستيل مدارس متعددة لا أملك معرفتها لكنها تبدو كذلك وهي تشهد على براعة في التحرك بينها بكل رشاقة وتمكن.
ولعل ما أثرى الزيارة كان الحوار الذي دار مع الفنان في حضور عدد من الفنانين والمهتمين والنقاد فكان الثراء متعدد المستويات، وكذلك كان الأمر مع التجول في مرسمه وهو يعرض لنا ملفاته واسكتشاته وآلية تجهيزه للبورتيرهات من جهة وللوحات الخط العربي من جهة أخرى والتي أخذ إجازتها على كبار خطاطي الحرمين الشريفين. وكان للفنانين معنا نصيب كبير من الأسئلة الدقيقة حول تكنيكه الفني وأسلوبه في العمل والرسم وحتى في فحص فرشه وعصارات ألوانه، كما فعلوا في مرسم الخزيم والتي تحمل دلالات كبيرة للناقد والفنان. وقد تكللت هذه الزيارتين باقتناء بعض أعمال الفنانين مما جعلاه في متناول الحضور من أعمال يختارها الفنان. وقد كانت فرصة لا تقدر بثمن، أدخلت إلى نفوسنا مفهوما جديدا للاقتناء والفخر بما يتصل بالفن المحلي الذي يمثل جزءا من ثروتنا الوطنية البشرية، كما سمحت لنا فعليا الوصول إلى ما خلف الإطار وما يخفيه من درر.
وقد كانت الزيارة الأولى للفنان الكبير المهندس عثمان الخزيم في منتصف شهر يونيو من هذا العام 2026، في مرسمه ومعتكفه بالملز. وصلنا في عدد محدود من المهتمات والمهتمين بالفن والاقتناء لنستمع إلى سيرته الذاتية بلسانه وبمنطوقه البليغ الذي فاجأنا حين اكتشفنا فيه شاعرا، وبفلسفته العميقة لتناول أعماله سواء ما كان حروفيات أو تأملات طبيعة أو تأمل في البشر بمنظوره الخاص أو في التراث وتراكماته. استعرضنا معه تاريخ فن يمتد لقرابة خمسة عقود بمعرضه الشخصي الأول الذي أقيم في بداية الثمانينات تحت رعاية الرائد الراحل محمد السليم. وما يميز الخزيم أنه وإن كان من مواليد الخرج لكنه عرف العالمية منذ وقت مبكر، فهو من أوائل الدفعات التي درست في إيطاليا وتخرج من أكاديمية فنونها الجميلة في فلورنسا عام 1980 مهندسا في التصميم والديكور ليرتبط اسمه بالتلفزيون السعودي وأقسام الهندسة والإنتاج وصياغة الرؤية البصرية والدرامية والإعلامية الرسمية. ولعل من أهم معارضه التي ربطت اسمه بالعالمية كان معرضه الشخصي "حروف من دون كلمات" الذي جاب مؤسستين دوليتين مهمتين، إحداهما أممية من قصر الأمم المتحدة في جنيف بالتعاون مع اليونسكو، والثانية أكاديمية دينية، جامعة الفاتيكان في الفاتيكان، حيث افتتحها البابا فرانسيس عام 2019 احتفاء بالحرف العربي الذي يخاطب الوجدان البصري مهما كانت هويته ولغته في حوار مفتوح مع الآخر.
كانت تجربتنا الأولى مع "خلف الإطار" لزيارة مرسم الفنان الخزيم مثيرة في جدتها وأصالتها. وجدنا أنفسنا وقد سمح لنا الفنان أن نغوص معه في أضابير دفاتره وألبوماته وأدراجه ورفوف كتبه، نقلب في لوحاته ما كان معلقا أو مخفيا وراء لوحات أخر أو ما كان يعمل عليه ولم تكتمل ملامحه بعد. كنا نشعر بأننا نكشف أسرارا وخفايا كلما استجاب وفتح لنا جارورا بعد آخر ونحن نقلب في محتوياته لنعثر على مخطوطات رسمات قديمة تكشف عن تقنياته العالية في الرسم والانتقال بالشكل إلى أبعاد جمالية ذات خصوصية وتحمل مفهوما في ذهن الفنان قد يدركه المتلقي وقد يعيد إنتاجه في مخيلته بدوره. وكل ما كان الفنان مبدعا كل ما وصل إبداعه بطريقة غير متوقعة.
ولعل تجربة إنهاء لوحة أمام أبصارنا كانت خاصة وتحمل شعورا فريدا بأننا في حقيقة أمرنا ونحن ملتفات وملتفون حول طاولة الألوان نشهد ولادة لوحة من الصفر، من صفحتها البيضاء إلى صفحاتها السماوية والأرضية وما بينهما. هناك من الأعمال ما يمكن إنتاجها سريعا ببعض التقنيات الخاصة، وهناك ما يستغرق أياما وربما أسابيع، وفق حدة المشاعر فيها ودقة الخطوط أو انبساطها. وفي كل الأحوال شعرنا بالامتنان لهذه اللحظة والتي بالطبع سجلناه بكل ما لدينا من وسائل توثيق وتسجيل وتصوير وكأنها لحظة تاريخية لن تتكرر، وهي كذلك، لحظة بذاتها لا ندري ما سوف يليها وينتج عنها.
أما تجربتنا الثانية فقد كانت في مرسم وبيت الفنان عبدالعزيز السعيد الذي تفاجئك قاعة مرسمه التي احتلت مكان المجلس المعتاد في المنزل وتزينت جدرانه ببورتريهات الأبيض والأسود اللامتناهية في جرأتها واختلافها وطبيعيتها وتعقيدها وبساطتها. توقف الجميع أمام لوحة بورتريه المرأة الجالسة على طاولة الطعام وطبق السمكة أمامها تمسكها من وسطها والذيل يلتف وكأنها حية والسكين على جانب الصحن. الكل يحلل نظراتها المركزة في المشاهد ما بين اشتهاء السمك والتهديد من الاقتراب. لم تكن المرأة في أحسن حالاتها ولا أجملها لكن أكثرها واقعية. أما سلسلة الجمال فهي أكثر إبداعا بصورتها وتفاصيلها المنمنماتية بحيث تشاهد مدينة كاملة يحملها الجمل على سنامه مثلا أو ما يشبه ذلك. بينما تنتشر في قاعته الداخلية اللوحات الأكبر حجما من مجموعتين رئيسيتين، التواقيع والبورتريهات التجريدية التعبيرية التي تقدم ملامح متعددة للوحات "ملامح لا تعود" أحد معارضه الشخصية. وعبدالعزيز السعيد يختلف عن بقية الفنانين في أنه عبر عن فنه على مرحلتين مبكرة ومتأخرة ويفصل ما بينهما فترة توقف وعمل وتأمل وتراكمات بصرية أثرت عند عودته للساحة الفنية التي عاد إليها بكل قوة ليقدم عددا من المعارض الشخصية وقد نضجت تجربته الفنية التي أبدع في مزج ألوانها وآلياتها ما بين الأكريليك والباستيل الزيتي ليوصل ما عمق من المشاعر بشكل أصبح بصمته الخاصة، وما بين البورتريه الأبيض والأسود والباستيل مدارس متعددة لا أملك معرفتها لكنها تبدو كذلك وهي تشهد على براعة في التحرك بينها بكل رشاقة وتمكن.
ولعل ما أثرى الزيارة كان الحوار الذي دار مع الفنان في حضور عدد من الفنانين والمهتمين والنقاد فكان الثراء متعدد المستويات، وكذلك كان الأمر مع التجول في مرسمه وهو يعرض لنا ملفاته واسكتشاته وآلية تجهيزه للبورتيرهات من جهة وللوحات الخط العربي من جهة أخرى والتي أخذ إجازتها على كبار خطاطي الحرمين الشريفين. وكان للفنانين معنا نصيب كبير من الأسئلة الدقيقة حول تكنيكه الفني وأسلوبه في العمل والرسم وحتى في فحص فرشه وعصارات ألوانه، كما فعلوا في مرسم الخزيم والتي تحمل دلالات كبيرة للناقد والفنان. وقد تكللت هذه الزيارتين باقتناء بعض أعمال الفنانين مما جعلاه في متناول الحضور من أعمال يختارها الفنان. وقد كانت فرصة لا تقدر بثمن، أدخلت إلى نفوسنا مفهوما جديدا للاقتناء والفخر بما يتصل بالفن المحلي الذي يمثل جزءا من ثروتنا الوطنية البشرية، كما سمحت لنا فعليا الوصول إلى ما خلف الإطار وما يخفيه من درر.