الرأي

فنجان القهوة وصحتك

للقهوة مكانة مختلفة في حياتنا. فهي ليست مجرد مشروب يوقظ الحواس، بل جزء من الذاكرة والضيافة والتاريخ. بدأت رحلتها من المرتفعات الإثيوبية، ثم انتقلت زراعتها إلى اليمن عبر البحر الأحمر. وفي القرن الخامس عشر، استعان بها المتصوفة للبقاء مستيقظين خلال صلاة الليل، قبل أن تنتشر من ميناء المخا والمكلا إلى أنحاء العالم. واليوم عادت أشجارها إلى مدرجات جازان والباحة، وما زال فنجانها يقدم للضيف قبل أن يسأل عن اسمه.

لكن السؤال الذي يتكرر دائما: هل القهوة مفيدة للصحة؟
في عام 2017، نشرت المجلة الطبية البريطانية BMJ مراجعة واسعة جمعت نتائج 201 تحليل علمي تناول 67 نتيجة صحية مختلفة. وكانت الخلاصة مطمئنة عموما: شرب القهوة ارتبط بالفائدة أكثر من الضرر، وكانت أفضل النتائج غالبا عند تناول ثلاثة إلى أربعة أكواب يوميا مقارنة بعدم شربها. وارتبط ذلك بانخفاض الوفيات من جميع الأسباب بنحو 17%، والوفيات القلبية الوعائية بنحو 19%. كما ظهر انخفاض يقارب 18% في الإصابة بالسرطان عند مقارنة الأكثر شربا بالأقل شربا. وبدت الفوائد أوضح في أمراض الكبد، مثل التليف وسرطان الكبد، وكذلك في السكري من النوع الثاني.

مع ذلك، لا بد من قراءة هذه النتائج بهدوء. معظم الدراسات كانت رصدية، أي إنها لاحظت ما يحدث للناس دون أن تجري تجربة مباشرة عليهم. وقد يختلف شاربو القهوة عن غيرهم في نمط الحياة، والطعام، والنشاط، والتدخين. وهناك أيضا ما يسمى «السببية العكسية»، إذ قد يتوقف الشخص المريض عن القهوة قبل وفاته، فتبدو القهوة وكأنها تحميه. حاول الباحثون تقليل هذه المشكلات، وظلت العلاقة الإيجابية قائمة، لكنها لا تزال علاقة وليست دليلا قاطعا على أن القهوة هي السبب.

ومن المثير أن القهوة منزوعة الكافيين ترتبط بكثير من الفوائد نفسها، وإن كانت بدرجة أقل. وهذا يشير إلى أن السر قد لا يكون في الكافيين وحده، بل في مئات المركبات الموجودة في الحبة، ومنها أحماض الكلوروجينيك والبوليفينولات. كما أن الفائدة لا تزداد بلا نهاية؛ فهي تبلغ ذروتها تقريبا عند ثلاثة أو أربعة أكواب، ثم تستقر أو تتراجع.

وتختلف استجابة الناس للكافيين بسبب الجينات. إنزيم CYP1A2 مسؤول عن التخلص منه، وبعض الأشخاص يتعاملون معه ببطء. لذلك قد يشرب شخص القهوة مساء وينام طبيعيا، بينما يبقى آخر مستيقظا لساعات. إذا كان فنجان المساء يفسد نومك، فهذه إشارة من جسمك وليست مبالغة.

هناك احتياطات مهمة. خلال الحمل ينصح غالبا بألا يتجاوز الكافيين نحو 200 ملغ يوميا، لأن الكميات الأعلى ارتبطت بانخفاض وزن المولود والولادة المبكرة وفقدان الحمل. كما أن طريقة التحضير مهمة؛ فمركبا الكافيستول والكاهويول قد يرفعان الكوليسترول الضار، وتزيل المرشحات الورقية معظمها. أما القهوة العربية والتركية والفرنسية، لأنها غير مفلترة، فتحتفظ بها بدرجة أكبر، وهو أمر يستحق الانتباه لدى من يعاني ارتفاع الدهون.

وفي بيئتنا، قد لا تكون المشكلة في القهوة نفسها، بل فيما يأتي معها. التمر والمعمول والشاي المحلى قد يحولون جلسة بسيطة إلى جرعة كبيرة من السكر والسعرات. وينطبق الأمر نفسه على مشروبات القهوة المحلاة بالكريمة والكراميل.

أخيرا عزيزي القارئ، القهوة ليست دواء، لكنها أيضا ليست عدوا. فنجان معتدل، من دون إفراط في السكر، وفي وقت لا يضر بالنوم، يمكن أن يكون جزءا طبيعيا وممتعا من حياة صحية.

nabilalhakamy@