الرأي

من يملك النهاية؟

1000 هدف في يوم واحد، ولا نهاية واحدة بعد قرابة 6 أشهر. خلال أول 24 ساعة من الحرب مع إيران، قالت واشنطن إنها ضربت أكثر من ألف هدف. وبعد خمسة أشهر، نقلت رويترز عن مصادر أن الولايات المتحدة استخدمت تقريبا كامل مخزون الجيش من نوعين من صواريخ الضرب البعيدة، وأقل قليلا من نصف مخزونها العالمي من توماهوك، بينما بقي مضيق هرمز عمليا مغلقا والاتفاق مع طهران معلقا. الرقم الأول تقيسه الجيوش، أما الثاني فتفضحه السياسة: كيف تملك قوة عظمى القدرة على إصابة ألف هدف، ولا تملك القدرة على إنتاج نهاية واحدة؟

المشكلة أننا نخلط بين القدرة على فتح الحرب والقدرة على إغلاقها. الأولى قد تبدأ بأمر يصدره قائد، أما الثانية فتحتاج خصما يقبل، وحلفاء يصبرون، ورأيا عاما يحتمل، وتسوية يستطيع كل طرف أن يعود بها إلى جمهوره من دون أن يبدو مهزوما. قد تملك زر البدء، لكن زر الإيقاف ليس عندك وحدك.

ولهذا تروي الأرقام الأمريكية قصتين متعارضتين. في أغسطس، منحت البحرية رايثيون عقدا بقيمة 22.9 مليار دولار لرفع إنتاج توماهوك من نحو 60 صاروخا سنويا إلى أكثر من ألف. تستطيع الدولة الأقوى أن تبني مصانع أسرع وتعوض ما استهلكته، لكنها لا تستطيع شراء قبول الخصم، أو تصنيع مخرج سياسي على خط إنتاج. يمكنها علاج نقص الصواريخ، لا نقص النهايات.

وفي غزة، خصصت واشنطن أكثر من 206 ملايين دولار لقوة دولية يفترض أن تحفظ سلاما لم يولد بعد، بينما خطة السلام نفسها متعثرة. كأن العالم يستطيع تمويل اليوم التالي قبل أن يتفق على إنهاء اليوم الحالي. وفي أوكرانيا، تبادل الطرفان هذا الشهر 103 أسرى لكل منهما، لكنهما ما يزالان بعيدين عن تبادل التنازلات، فكل طرف يريد أن تكون النهاية اسما آخر لشروطه.

هنا يدخل الزمن إلى الحرب لا بوصفه مدة، بل سلاحا. الطرف الأضعف لا يحتاج دائما إلى هزيمة الأقوى، يكفيه أن يبقى ويرفض النهاية المعروضة، حتى تبدأ كلفة الوقت بالعمل ضده: انتخابات تقترب، وأسعار ترتفع، ومخزون يتراجع، وحلفاء يتعبون. قد يملك الأقوى الميدان، لكن خصمه قد يملك الساعة. وكل يوم بلا نتيجة يستهلك جزءا من التفوق، ويحول النصر المؤجل إلى عبء سياسي.

هذا لا يعني أن البقاء انتصار، ولا أن القوة العسكرية فقدت قيمتها. بل يعني أن القوة التي لا تتحول إلى نتيجة تبقى تفوقا بلا حصاد، وأن تدمير قدرة الخصم لا يساوي تغيير قراره. الفارق بين القصف والتسوية هو الفارق بين أن تؤلم خصمك، وأن تجعله يقبل العالم الذي تريد.

ربما لهذا لا تكون الدولة الأقوى هي التي تستطيع دخول الحرب متى شاءت، بل التي تستطيع الخروج منها متى شاءت، وبشروط تستطيع تسميتها نتيجة. من يملك البداية يملك المبادرة، أما من يملك النهاية، فيملك معنى ما جرى. ولهذا لن يكون السؤال الحاسم في صراعات المرحلة المقبلة: من يملك السلاح الأكبر؟ بل: من يملك النهاية؟

Abdullah_Yabisi@