الرأي

اختبارات القدرات: استنزاف للوقت والمال أم استثمار في المستقبل؟


من أول يوم في المرحلة الثانوية، يجد الطلبة أنفسهم أمام تحد إضافي لا يتعلق بالمقررات الدراسية التي يجب عليهم إتقانها، بل باختبار القدرات العامة. فهذا الاختبار، الذي لا يوجد له منهج محدد، أصبح يستنزف وقتا ثمينا كان يمكن استثماره في فهم قوانين الفيزياء، أو استيعاب تراكيب الكيمياء، أو إتقان قواعد اللغة العربية والإنجليزية. ومع غياب المرجعية الواضحة، تنتشر الدورات التدريبية التي تستنزف ميزانيات الأسر، وتقدم في الغالب تدريبات سطحية على السرعة دون عمق معرفي حقيقي. إن مثل هذا الوضع يطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى الاختبار في صورته الحالية، ومدى كونه أداة تقييم عادلة أم عبئا إضافيا يثقل كاهل الطلبة وأسرهم. مما يجعل الدعوة لمراجعة جدوى هذا الاختبار، والاستفادة من تجارب الدول الأخرى في تطوير معايير القبول بالجامعات أمرا منطقيا.

إن المشكلة الجوهرية ليست في صعوبة الاختبار، بل في سرقته المنهجية لوقت الطالب. فبدلا من أن ينكب الطالب على المذاكرة المكثفة لاستيعاب المقررات الدراسية، نجده مشتتا بين مراجعة المنهج الدراسي والتجميعات، وكثيرا ما يكون الحل على حساب العمق في المواد الأساسية، مما ينعكس سلبا على مستواه التعليمي الحقيقي. وقد وصف الكاتب ياسر المغامسي هذا التناقض بين طريقة تعلم الطالب وطريقة امتحانه (صحيفة مكة: 2022). كما وصف مقال آخر اختبار القدرات بأنه مضيعة للوقت والجهد (صحيفة الرياض: 2008).

ولغياب منهج محدد أو دليل إرشادي موثوق، تزدهر سوق الدورات التدريبية التي تستنزف ميزانيات الأسر، ولا تقدم في الغالب سوى تدريبات على ما يسمونه أساليب «حل أسرع». وقد تناولت الكاتبة لطيفة الحامد هذا الجانب (صحيفة القبس: 2006)، حيث انتقدت صعوبة الاختبار وعدم ملاءمته لمستوى الطلبة. ويتفاقم الوضع حينما نجد أن هذه الدورات تستغل حاجة الطالب، وتحول الاختبار إلى لعبة يتقنها من يدفع أكثر، مما يفقد الاختبار مصداقيته ويحول التعليم إلى سوق للإرباك المالي والنفسي. وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجربة بريطانيا التي تدمج مهارات الاختبار في مناهج التعليم الأساسي.

وتعزز هذه الانتقادات نتائج دراسات أكاديمية حديثة. حيث خلصت دراسة حديثة إلى أن اختبار القدرات فسر 9.4% فقط من التباين في أداء طلبة الفيزياء، بينما فسرت 29.3% من المتغيرات مجتمعة تاركة نحو 70% من الأداء غير مفسر بعوامل معرفية Frontiers in Medicine: 2025: 12: 1595079. وفي المقابل، أشار تقرير صدر في 2015 إلى أن الاختبار قد يكون مفيدا في التنبؤ باحتمالية التخرج (تقرير أسبار: 2015: 93)، لكن محدودية قدرته التفسيرية تضعف مبررات استمراره. ومن المفيد أن نذكر أن اختبارات القبول في أمريكا وأستراليا تراجع بشكل دوري، ومما لا شك فيه أن تبني مراجعات مماثلة سوف يسهم في تطوير نظامنا التعليمي.

وبالنظر إلى أن بعض المهارات التي يقيسها الاختبار قد تكون مهارات رئيسية، فإن الحل الأمثل ليس بإلغائها، بل بتطويرها. ولتحقيق هذا المقصد نقترح تبني مسارين متكاملين: الأول استحداث مقرر «مهارات الاستدلال والتحليل» يدرس ضمن الخطة الدراسية ويحتسب في المعدل التراكمي، على غرار اختبار SweSAT السويدي. والثاني إدماج أنشطة إثرائية في المناهج الحالية مثل تحليل النصوص والاستنتاج المنطقي ضمن مواد اللغة العربية والرياضيات والعلوم، كما تفعل سنغافورة. وتبني مثل هذا النموذج، يضمن أن يكون الطالب مستعدا للاختبار من خلال تحصيله الطبيعي، دون الحاجة لدورات خارجية مكلفة، ويحول تقييم القدرات من استنزاف للوقت إلى استثمار تعليمي حقيقي.

كما أن تقنين برامج التدريب أصبح ضرورة ملحة. فمن المعروف أن الطلبة حول العالم يستعدون للاختبارات المؤهلة لدخول الجامعة، لكن الفرق يكمن في التنظيم وليس في الممارسة ذاتها. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، توجد شركات متخصصة تقدم برامج تحضيرية تخضع لرقابة المؤسسات التعليمية، مما يضمن جودة المحتوى وعدالة الوصول. وقد يساعد استحداث آلية مماثلة في تنظيم هذه الممارسة محليا، من خلال ترخيص مراكز التدريب وفق معايير تضمن الاستفادة منها وضبط الرسوم والمحتوى بصرامة، حتى لا يستنزف المال ولا يتشتت الطلبة عن دراستهم الأساسية. ويمكن للجامعات والمدارس والمؤسسات غير الربحية أن تقدم برامج إعداد مجانية أو منخفضة التكلفة، لتكون في متناول الجميع وتحد من الاستغلال التجاري.

خلاصة القول، إن اختبارات القدرات بصورتها الحالية تستنزف الوقت والمال وتشتت الطلبة عن مناهجهم الأساسية. ولكن الحل ليس بإلغائها، بل بتطويرها. فإدماج مقررات تدرس المهارات المستهدفة في الاختبار ضمن المناهج، واستحداث مقرر «مهارات الاستدلال والتحليل»، وضبط برامج التدريب بإطار تنظيمي، اقتراحات عملية تحقق أهداف الامتحان. وعبر هذه الأسطر ندعو وزارة التعليم وهيئة تقويم التعليم والتدريب إلى الاستفادة من تجارب الدول الرائدة وإجراء مراجعة شاملة للاختبار ليصبح أداة تقييم عادلة تعد الطالب للجامعة دون أعباء إضافية، وتحول تقييم القدرات إلى استثمار حقيقي في مستقبل أبنائنا.