الملعب

من قفاز البدايات إلى ذهب براغا.. الملاكمة السعودية تطرق أبواب العالمية

في اليوم العالمي للملاكمة، الذي يصادف 27 أغسطس، تبدو تجربة الملاكمة السعودية أمام محطة جديدة في مسيرة تجاوزت أربعة عقود؛ من حضور محدود في المشهد الرياضي إلى منظومة تتسع فيها قاعدة الممارسين، وتتطور المنافسات المحلية، ويحضر الملاكمون والملاكمات السعوديون على منصات التتويج الدولية.

وتعود البدايات المؤسسية للملاكمة السعودية إلى عام 1980 ضمن منظومة ألعاب القوة، قبل أن تتطور بنيتها التنظيمية وصولًا إلى فصل الملاكمة عن المصارعة في يوليو 2013 وتأسيس اتحاد مستقل للعبة. وفي الذاكرة الآسيوية، تبرز دورة ألعاب هيروشيما 1994، حين أحرز يوسف هوساوي فضية وزن 91 كجم، وجمعان الصغير برونزية وزن 60 كجم، لتسجل الملاكمة السعودية حضورًا مبكرًا على منصة آسيوية.

وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت الملاكمة مفهوم المنافسة داخل الحلبة إلى صناعة رياضية أوسع، مدفوعة بتطور الأندية والبطولات، واتساع قاعدة الممارسين، وظهور منافسات نسائية، إلى جانب استضافة المملكة نزالات عالمية كبرى في الدرعية والرياض وجدة، أسهمت في تعزيز حضور اللعبة جماهيريًا وإعلاميًا، وربط الملاكمة السعودية بالمشهد الدولي.

وتبرز في هذا التحول رؤية الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، وزير الرياضة ورئيس اللجنة الأولمبية والبارالمبية السعودية، الذي أكد خلال الإعلان عن نزال الدرعية التاريخي عام 2019 أن الرياضة تمثل وسيلة للتواصل مع العالم ورسالة محبة من المملكة إليه؛ وهو ما يعكس الدور الذي باتت تؤديه استضافة الأحداث الرياضية الكبرى في تقديم المملكة وتعزيز حضورها على الساحة الدولية.

وفي أبريل 2025، انتُخب تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ رئيسًا لمجلس إدارة الاتحاد السعودي للملاكمة للدورة 2024–2028، في مرحلة تتجه فيها اللعبة إلى تعزيز المنافسة المحلية، واكتشاف المواهب، وربطها بمسارات الاحتكاك الدولي وصناعة الملاكم المحترف.

وشكلت دورة الألعاب السعودية إحدى أبرز منصات اكتشاف المواهب، مع اتساع المشاركة الرجالية والنسائية وظهور أسماء جديدة في مختلف الأوزان. كما سجل حضور المرأة تحولًا لافتًا؛ إذ حققت سارة الشهراني وماجدة الضالعي ذهبيتي وزني 50 و57 كجم في دورة 2023، فيما واصلت أسماء مثل رغد النعيمي وهديل عاشور حضورها في المنافسات، لتصبح الحلبة السعودية مساحة مفتوحة أمام المواهب النسائية أيضًا.

ويتجه الاتحاد في 2026 إلى توسيع قاعدة المنافسة؛ إذ شهدت بطولة المنطقة الغربية والجنوبية للنخبة مشاركة 88 لاعبًا ولاعبة يمثلون 15 ناديًا، بينما شارك في الأدوار التمهيدية لبطولة «حزام المملكة» أكثر من 429 لاعبًا ولاعبة، قبل أن تختتم المنافسات بتتويج أبطال وبطلات في 20 وزنًا، بما يعكس الانتقال من إقامة البطولات إلى بناء مسار تنافسي متدرج لاكتشاف الموهبة وتطويرها.

وجاءت بطولة براغا المفتوحة للملاكمة 2026 في البرتغال لتقدم واحدة من أقوى إشارات التحول، بعدما حصد المنتخب السعودي 17 ميدالية، بينها 7 ذهبيات و5 فضيات و5 برونزيات، في أكبر حصيلة ميداليات يحققها الاتحاد السعودي للملاكمة في بطولة دولية واحدة، إلى جانب تسجيل أول ذهبيات دولية في تاريخ الاتحاد.

وتوزعت الذهبيات على نواف العنزي، وعبدالرحمن الحميدان، وفارس المالكي، وفراس الصبحي، ونواف عواجي، وعبدالرحمن صادق، وريفال المحيسن، في إنجاز يتجاوز قيمة الميداليات إلى دلالة أعمق: انتقال الملاكمة السعودية من مرحلة المشاركة والاحتكاك إلى المنافسة الفعلية على منصات التتويج.

وبين فضيتي هوساوي وبرونزية الصغير في هيروشيما 1994، وذهبيات براغا السبع في 2026، تمتد رحلة طويلة من البناء المؤسسي وتوسيع قاعدة الممارسة وتطوير المنافسات وفتح الحلبة أمام المرأة وتعزيز الاحتكاك الدولي.

وفي اليوم العالمي للملاكمة، لم تعد القضية السعودية هي إثبات قدرة الملاكم على الصعود إلى الحلبة، بل صناعة الطريق الذي يقوده من النادي إلى المنتخب، ومن المنافسة المحلية إلى المنصة العالمية. وهنا تحديدًا تكمن المرحلة المقبلة: تحويل الموهبة إلى مشروع، والمشروع إلى بطل، وبناء أجيال متعاقبة قادرة على المنافسة القارية والدولية والوصول إلى الطموح الأولمبي.