الصحافة الرقمية وضرورة التكيف والابتكار
الأربعاء، ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦لا شك أن الصحف أصبحت اليوم أمام تحد جديد، خاصة بعد أن اضطرت لإغلاق أبواب مطابعها الورقية والتحول بالكامل إلى الصدور الرقمي، مما جعلها أمام معادلة جديده تتمثل في ضرورة إيجاد مصادر أخرى ومتنوعة لتغطية التكاليف والأيدي العاملة بعد أن افتقدت إيرادات الطباعة والتوزيع والإعلانات الورقية، فالتحول الرقمي ليس مجرد نقل للخبر من الورق إلى الموقع، بل هو إعادة بناء نموذج عمل متكامل. وهو ضرورة حتمية يجب على الصحف أن تتعايش معها، يقول الشاعر:
إذا لم تكن في كل أمر مدبرا
لك اليوم أمر جاوز الدهر واعتلى
وأعتقد أن نموذج الإعلانات والاشتراكات لم يعد كافيا، بل يجب على الصحف تنويع مصادر الدخل، فالصحف الناجحة اليوم تبني مصادر دخل متعددة، كالاشتراكات المدفوعة، والإعلانات الذكية والشراكات مع العلامات التجارية، والإعلانات المبرمجة التي تستهدف القارئ بدقة، بالإضافة إلى خوض التجارب المتعددة كتنظيم الفعاليات والملتقيات كالمؤتمرات، وورش العمل، وبودكاست حي برعاية شركات، وفيديو وإنفوجرافيك تفاعلي، ونشرات بريدية يومية مختارة بعناية، وتقارير مدفوعة للشركات، وحتى تراخيص المحتوى لوسائل أخرى، بحيث يتحول اسم الصحيفة إلى «علامة ثقة» تستقطب الجمهور، بالإضافة إلى بناء بيئة عمل جاذبة للكفاءات الصحيفة الرقمية الناجحة كالرواتب المجزية وحوافز الأداء ودورات تدريبية صحفية، والتدريب المستمر على مختلف الفنون الرقمية والتقنية، مع ربط جزء من الراتب بعدد المشتركين الجدد أو أداء المقالات مما يحفز على الإبداع.
كما أن الصحف الرقمية يجب أن تتوجه إلى الاستثمار في المحتوى الجاذب «فالجودة هي العملة» والقارئ الرقمي لا يدفع مقابل «خبر» يمكنه الحصول عليه من تويتر، بل يدفع مقابل التحقيقات الاستقصائية والمحتوى الحصري الذي يستغرق أشهر عمل، من خلال التخصص، على سبيل المثال كالصحف التي تهتم بالاقتصاد أو التقنية أو الرياضة بعمق أكبر من أي موقع عام، فالأخبار العاجلة مجانية، ولكن التحقيقات والتحليلات العميقة، والملفات الخاصة والمتخصصة يمكن أن تدفع الكثير من القراء إلى البحث عن الاشتراكات، وبالتأكيد فإن كل هذه المعطيات تتطلب بناء قاعدة بيانات دقيقة وقوية لمعرفة توجهات القراء وميولهم، وذلك يمكن أن يتم عبر التسجيل المجاني والنشرات البريدية وتطبيقات الهاتف، حيث تستطيع الصحيفة فهم سلوك القارئ بدقة، فبيانات القارئ اليوم هي النفط الجديد في العصر الرقمي، والصحيفة التي لا تجمع وتحلل بيانات جمهورها ستخسر، ومستقبل الصحف الرقمية مرتبط بقدرتها على دقة قراءة هذه البيانات، فهناك قراء مهتمون بالعقار وآخرون بالرياضة أو بالتقنية وغير ذلك من الاهتمامات والتي تستطيع من خلالها الصحيفة أن تفرض الاشتراكات من خلال معرفة اهتمامات قراءها.
كما أن الصحف الالكترونية أصبحت اليوم مجبرة على استغلال الذكاء الاصطناعي لمواكبة التحول الرقمي الشامل، فالذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد مجرد أداة تكميلية أو شكلية وإنما أصبح ضرورة حتمية لمواكبة العصر وفهم متطلباته، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه «لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم»، وذلك من أعظم ما يدل على أهمية مواكبة العصر واستغلال كل ما يتاح فيه من مقومات، فالمعلومات التي يمكن أن يحصل عليها الفرد في أيام، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يوفرها خلال دقائق، لكي يتفرغ الشخص للأجزاء المهمة مثل التحقيقات واللقاءات الميدانية والمقابلات والتي لا يزال الذكاء الاصطناعي قاصرا عنها، حيث يمكن استخدامه كمحرر مساعد في تلخيص المؤتمرات الصحفية، وتحويل التقارير المكتوبة إلى فيديوهات قصيرة وبودكاست تلقائي، واقتراح أفضل وقت وعنوان للنشر وكذلك في قراءة بيانات واهتمامات القراء وغير ذلك.. وهو ما يمكن أن يخفض التكلفة 40% ويسرع الإنتاج، ويترك للصحفيين وقتا للتحقيقات والأعمال الميدانية.
وإجمالا فإن القوة الاقتصادية للصحيفة الرقمية لا تأتي من نسخ نموذج الورق على الإنترنت، بل تأتي من محتوى عميق وحصري وملائم للتحول التقني ونموذج عمل متنوع وفريق محترف ومحفز. فإن استطاعت الصحف أن تدرك هذه المفاهيم، فهي بلا شك ستتمكن من التحول من «ناشر أخبار» إلى «شركة إعلام وتكنولوجيا». وهنا يمكنها ليس البقاء فقط، بل أن تقود المشهد الإعلامي الجديد وتستقطب أفضل العقول.