الرأي

«تقويم التعليم».. مرآة الجودة لبناء المستقبل


في زمن التحولات الكبرى الذي تعيشه المملكة تحت مظلة رؤية السعودية 2030، تبرز «هيئة تقويم التعليم والتدريب» كواحدة من أهم المؤسسات التي تقيس جودة منظومة التعليم، حيث لم تعد الجودة شعارا يرفع في المحافل، بل أصبحت منظومة متكاملة تدار بالبيانات والأدلة العلمية، وتترجم يوميا في آلاف المدارس والجامعات ومنشآت التدريب.

ما تحقق خلال السنوات القليلة الماضية يستحق الإعجاب والاحتفاء، حيث خضعت كل مدرسة من مدارس المملكة لتقويم ذاتي وخارجي شامل حيث شمل أكثر من 24 ألف مدرسة، وهذا يعتبر لأول مرة في تاريخ التعليم في المملكة. هذا الجهد وصفته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأنه غير مسبوق عالميا من حيث السرعة والشمولية، والتي شملت عشرات الآلاف من رحلات التقويم وصلت إلى أبعد القرى والهجر، وخرجت بتصنيفات دقيقة وتقارير تساعد المدارس على التحسين، وكرمت مئات المدارس التي وصلت إلى مستوى التميز.

هذا ليس مجرد إنجاز إداري، بل هو بناء لثقافة القياس والمراجعة والمساءلة والتميز المؤسسي الذي طالما افتقدناها.

وعلى صعيد نتائج التعلم، جاءت الاختبارات الوطنية «نافس» لترسم خارطة واضحة لأداء الطلبة، وشارك فيها ملايين الطلاب على مدار أربع سنوات متتالية، والنتائج لم تكن مجرد أرقام؛ فقد أسهمت في رصد تحسن حقيقي يعادل سنوات دراسية كاملة في الاختبارات الدولية، وأصبحت أداة بيد صناع القرار والمعلمين وأولياء الأمور عبر تطبيق «مستقبلهم». أما في التعليم العالي، فقد ارتفعت نسبة البرامج المعتمدة إلى مستويات تاريخية، وأصبح الاعتماد المؤسسي والبرامجي مسارا إلزاميا نحو الجودة، مدعوما باختبارات جاهزية تقيس ما يمتلكه الخريج فعليا.

وفي قطاع التدريب، تواصل الهيئة بناء معايير تضمن أن تكون مخرجات المنشآت التدريبية متوافقة مع احتياجات سوق العمل، بما يدعم مستهدفات برنامج تنمية القدرات البشرية. جميع هذه الجهود تتكامل لتخلق منظومة وطنية واحدة للتقويم والقياس والاعتماد، وتعتمد على التقنية والبيانات الضخمة، وتدعم اتخاذ القرار المبني على البراهين لا الانطباعات.

ما تقوم به «الهيئة» ليس عملا فنيا منعزلا، بل هو تفعيل حقيقي لروح رؤية 2030 التي جعلت الاستثمار في الإنسان أولوية مطلقة، حيث إن الجودة ليست رفاهية، بل هي ضمان لأن يمتلك أبناؤنا المهارات التي تؤهلهم للمنافسة عالميا، وأن تكون مدارسنا وجامعاتنا قادرة على إنتاج أجيال تبني اقتصادا معرفيا وجودة حياة.

الإشادات المتتالية من البنك الدولي ومنظمة OECD ومن مجلس الوزراء نفسه ليست مجاملة، بل شهادات دولية وشهادات محلية من أعلى مستوى، على أن النموذج السعودي في التقويم أصبح مرجعا موثوقا ويقوم بأدوار جوهرية.

نحن أمام تجربة وطنية تحولت ونجحت وتستحق الدعم المستمر والتطوير، لأنها تضع الطالب في المركز، والمدرسة تحت المجهر الإيجابي، والجامعة تحت معايير عالمية، والتدريب حسب متطلبات السوق. هذه هي الطريق الصحيحة لبناء وطن يعتمد على كفاءاته لا على موارده فقط.